من آلاف المتقدمين يحصل انتقاء تدريجي يقوم به الجمهور مختارًا من يجسد نفسه [أي ذاتيته و وثنه الداخلي] فلا منطق هنا ولا معيار ولا مُحدد إلا الذات والذات فقط وماتهوى، ويزداد الحماس ويشارك في التصويت ملايين قد لا تشارك في انتخابات الرئاسة الأميركية نفسها، وكلما اشتد السباق تحول الأمر إلى هستيريا ليبقى اثنان في النهايةلابد أن يُصرع أحدهما [ضمن الطريقة المعاصرة لصراع الأسود والعبيد] ، وتقدم البرامج الأميركية، والتي من أشهرها برنامج (الوثن الأميركي: American Idol) الذي يستقطب الملايين، وسيصل الوثن الأخير الذي سيكون المعبود الحقيقي الذي يعبر عن حلم الملايين ومشاعرهم وآمالهم، وسيكون حتى شكل حلاقته وثيابه وعطره بل وحتى مجونه المثل الأعلى لملايين الشباب في الأرض، وستحلم بمثله ملايين المراهقات، وسيكون مادة عبادة تتعبد لها الجماهير الغافلة وهي تقصد عبادة ذاتها!
هذا البرنامج الوثني لابد له من نسخة عربية، [وربما عجب بعض أفاضل الدعاة والعلماء للشعبية الكاسحة لبرامج مثل (ستار) وملايين المكالمات التي كانت تشارك في التصويت] وربما بكى بعضهم واستنفر بسبب العري، والوقت المهدور في أمة مذبوحة وللجيل المائع والتفاهة، ولوعلموا الحقيقة الكامنة لعلموا أن الأمر أخطر بكثير فهو إقامة صرح ومعبد للوثنية التي تقوم على عبادة الذات والفردية التي هي ركن أساسي في قيم الفردوس الزائف المستعار.
[من نافلة القول أن كثيرًا من البرامج التي انصبت فجأة مثل المطرعلى العالم العربي مثل البرمجة اللغوية العصبية وتطوير الذات وبقية تلك الكليشات البراقة، إنماتحمل في أعماقها وبكل صراحة (الفكر الوثني الأميركي وعبادة الذات وفقط عبادة الذات) ورغم أننا ندعو إلى أخذ ماقد يكون فيها من بعض النقاط الإيجابية، إلا أننا ندعو إلى الانتباه إلى الروح الكامنة فيها، وخصوصًا في مجتمعات ممحوقة ثقافيًا ونهمة وجائعة إلى كل جديد مهما كان فيه بسبب تعطيشها الطويل، كما تعشعشع فيها النظم الشمولية التي يوافقها تماما نمو الذات لا لتتحد كقوة اجتماعية بل لتنمو بشكل فردي يزيد من تجذير الانفراد، ويقضي على البقية الباقية من الجماعية التي تنحت النظم فيها ليلًا نهارًا لمصادرتها لصالحها وسحب أي تكتل جماعي، ومنذ فترة قريبة جدًا ذكر أحد كبار المشتغلين بحقوق الإنسان أنه تلقى تحذيرًا من بعض الجهات الصديقة التي نصحته أن لايواصل النضال في وجه أحد الأنظمة الشمولية! لأن الولايات المتحدة ورغم العداء الظاهر مع حكومة ذلك البلد الديكتاتورية إلا أنها راضية في الأعماق عن ذلك النظام تمامًا بسبب أنه لم يتوفر قط في المنطقة نظام استطاع أن يفكك البنية الجماعية لشعبه مثلما فعل ذلك النظام الشمولي! فتأمل يرحمك الله] .
نعود إلى ماذكره مفكرنا النبيه الدكتور العمري، لنرى التوجه القرآني حول الفردية والذاتية، فنسمع نداء زكريا عليه السلام (رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين) (الأنبياء21/ 89) ، إنه يريد كسر حاجز الفردية والانطلاق نحو الجماعة: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رَغَبًا ورَهَبًا وكانوا لنا خاشعين) (الأنبياء 21/ 90) ، والقرآن لم يلغ الفرد بل أثبته ليكون الجزء الصالح من جماعة، وليس وثنًا مزيفًا، كما نقف عند سؤال مؤثر في سورة البلد يخاطب الفرد (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) (90/ 5) لقد تصور المسكين ذلك فلم ير أبعد من ذلك، وبقي في أسر حواسه (يقول أهلكت مالًا لبدًا) (البلد90/ 6) ، [مازالت هناك طاقة جبارة في العالم الإسلامي يحتار الغرب في القضاء عليها وهي العمل لوجه الله والبذل والتعب لهذا الدين، والعمل الطوعي الذي لا يبتغي الإنسان من وراءه جزاء ولا شكورا إلا رضا الله تعالى، ويتحدث أستاذنا الدكتور عبد الكريم بكار عما تحييه ثقافة التطوع في النفس من أبعاد مهمة جدا، وضرورة استمرار تلك الثقافة بنيتنا الإسلامية -وهي بالتأكيد ليست ثقافة التطوع التي يركض إليها البعض ووراءها مؤسسات تنصيرية أو تغريبية تدعمها الأموال الهائلة من الخلف لتنشر فكرًا تطوعيًا غريبًا غايته إرضاء (أي عبادة الذات) وليس العمل الخالص لوجه الله] .
(يُتْبَعُ)