ـ [تيسير الغول] ــــــــ [19 Oct 2010, 12:35 م] ـ
اسمحوا لي أيها الأحبة أن أخرج قليلا عن صلب الموضوع إلى أمر لفت انتباهي منذ كنت طفلا وهو أن شجر التين ويسميه البعض عندنا في جنوب المملكة"الحماط"، هذا الشجر تكثر فيه الثعابين، وكان لنا"حماطه"وكنت أحب الحماط وأخشى الثعابين، ولكن يقولون ومن الحب ما قتل، ولهذا لم يكن في مقدوري مقاومة النظر إلى ثمر التين ولا أتناول منه ولهذا كنت أتشبث بأغصانها القريبة وأدنيها وأقطف من ثمرها فإذا عجزت عن ذلك تسلقتها مع ما في داخلي من رعب الثعابين، ولكن ماذا أفعل بحب"الحماط؟"
ولقد وجدت موضوعا فسر لي لماذا تكثر الثعابين في شجر الحماط فإليكموه:
"الدكتور/ أحمد سعيد قشاش*"
قال أبو حنيفة:(أخبرني أعرابيُّ من أهل السراة وهم أهل تين، قال: التين بالسراة كثير جدا مباح، قال: ونأكله رطبًا ونزببه فندخره، وشجر التين الجبلي يقال له: الحماط.
وأخبرني بعض الأعراب: أنه في مثل نبات التين غير أنه أصغر ورقًا، وله تين كثير من كل لون أسود وأملح وأصفر، وهو شديد الحلاوة يحرق الفم، إذا كان رطبًا ويعقره، فإذا جفَّ ذهب ذلك عنه، وهو يُدخر، وله إذا جفَّ متانة وعلوكة، والإبل والغنم ترعاه وتأكل تينه).
وقال:(من الشَّجر الحماط، ومن العشب حماط، فأما الحماط من الشجر: فشجر التين الجبلي.
قال أبو زياد: هو شبيه بالتين، خشبه وجناه وريحه، إلا أن جناته هي أشد صفرة وحمرة من التين، ومنابته من الجبال، وقد يستوقد بحطبه، ويُتخذ خشبه لما ينتفع به الناس، يبنون عليه البيوت والخيام، ومن احتاج إلى زنده اتخذ منه زندة، وتأكل منه الماشية ورقهُ رطبًا ويابسًا، وليس من شجرة أحب إلى الحيَّات من الحماط، ولما وصف أبو زياد من إلف الحيَّات الحماط.
قيل: شيطان الحماطة، فجرى مثلًا.
قال الراجز:
ثُمَّتَ لا أدري لعلي أُرجَمُ بمثل شيطان الحماطِ الأعرمِ
الشيطان: الحيَّة.
والأعرم: الأرقط، كذلك الشاة العرماء.
وقال آخر:
ثُمَّتَ لا أدري لعلي أقذفُ بمثل شيطان الحماطِ الأعرفِ
والأعرف: الذي له عُرف، وهو أيضًا الأقرن، له من جلده شبيه بالقرن.
وقال حميد بن ثور في تشبيه الزِّمام بالحية: وفي نسب الحية إلى الحماط:
فلمَّا أتته أنشبت في خشاشه زماما كثعبان الحماطة مُحكما
ومن أمثال العرب قولهم: ذئب الخمر، وشيطان الحماطة).
الحماط: هي شجرة التين البري، منابتها بطون الأودية، وشطآنها وشعاف الجبال بين شقوق الصخور، وأطراف الثمائل، وأفواه الآبار، على ارتفاع1300 - 2300م.
تقوم الحماطة على ساق أغبر، يميل إلى البياض، يرتفع قدر3 - 10م، وهو بخلاف ما ذكر أبو حنيفة: ضعيف لا يصلح للوقود ولا تُسقف به البيوت، وربما اتخذ منه أعمدة لبيوت الشعر، أوراقها خشنة مفصصة بعمق أو رمحية مفردة، وحوافها مسننة، سطحها أخضر غامق، وخلفها شديد التعريق، تكسوه خضرة فاتحة، وحجمها أصغر من ورق التين المزروع، تنحَت شتاء، وتورق أوائل الربيع، أزهارها صغيرة لا طائلة غير واضحة، وتتكون الزهرة من ثلاثة إلى أربعة تويجات قصيرة، تحتوي على ثلاثة أو خمسة مآبر للقاح، وتظهر الثمار خضراء محمولة على أعناق طويلة، وتنضج في منتصف الصيف، وحينئذ يتحول لونها إلى الأحمر فالأسود، وهذا النوع يسميه أهل السراة (الحماط السوادي) ، وهناك نوع آخر يسمونه (الحماط البياضي) وهو قليل الانتشار، تبقى ثماره عند النضج خضراء يعلوها صفرة يسيرة، وثمار الحماط أحجام صغيرة ومتوسطة وكبيرة، وإذا نضجت فإنها تؤكل، ومنها ما هو غاية في الحلاوة، وإذا كسر أحد أغصانها ولا سيما حديث النمو سال منه لبن أبيض غزير، فكان الرعاة يضعون منه قطرات على حليب الغنم فيروب في الحال، وربما استعمل في المنازل لترويب اللبن، ولا سيما إذا كان الجو باردًا، لأن في ترويبه بالطريقة المعتادة إبطاء، وتدهن به الأثاليل فيقتلعها من أصولها، وتُمرخ به الشوكة في القدم فيسكن ألمها ويسهل خروجها، وفي نواح من ديار ثمالة يعالجون جروح حيواناتهم بتجفيف أوراق الحماط ثم دقها وذرها على الموضع المصاب.
(يُتْبَعُ)