الثانية: أن فعلهم هذا منكر حتى في معتقدهم ودينهم، فهو بغير حق حتى عندهم، وأنه لم يكن لهم فيه عذر ولا تأويل ولا جهل، قال بعض المفسرين: دل لفظ الآية على شدة التقبيح لفعلهم، فهو أولًا: قتل نبي لا أي نفس، وثانيًا: قتل جماعة لا واحد، وثالثًا: كونه بغير حق. والله تعالى أعلم.
الحلقة السادسة عشرة:
قال الله سبحانه:"ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين"في هذه القصة فوائد ولطائف:
قال علماء التفسير: إن الله تعالى جازى اليهود من جنس صنيعهم، هم لم يمتثلوا أمر الله حقيقة وإنما فعلوا فعلًا مشابهًا له في الظاهر، والله تعالى حوّلهم إلى أقرب الحيوانات شبهًا بالإنسان.
اليهود أشبهوا البشر في الصورة دون الحقيقة، هم لم يتلقوا أمر الله بفهم مقصده ومغزاه، وأخذوا بصورة اللفظ فأشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات، فهم أشبهوا الحيوان في المعنى، ولهذا استحقوا أن يكونوا مثلهم في الصورة.
اليهود ألغوا آدميتهم، وأسقطوا المعاني البشرية عن عقولهم، فنقلهم الله من الإنسانية إلى البهيمية في القيم والإرادة والخِلْقَة.
الفائدة الثانية: دلت الآية على إبطال القول بالظاهر الذي يتنافى مع المقصد الشرعي والتكليف الإلهي، وقد ذهب إلى بعض هذه المعاني ابن حزم وطوائف، وهذه الآية من أعظم الأدلة على إبطال هذا المسلك وإسقاطه من أبواب الفقه والأصول و الاستنباط.
الفائدة الثالثة: في الآية إبطال نظرية دارون في النشء و الترقي، والتكذيب لِمَن يزعم أن البشر أصلهم قردة، قال العلماء: ومَن قال بذلك فإنه يكون كافرًا بمجرد قوله. لماذا؟ لأنه مكذب لله، ولأنه مُنكرٌ لما علم من دين الإسلام بالضرورة.
وفي قوله تعالى:"وموعظة للمتقين"الإشارة إلى أن غير المتقين لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تجدي معهم النصيحة.
ويتفرع عن هذه الفائدة فائدة دعوية علمية وهي: إيجاب السعي على الدعاة والمصلحين إلى استصلاح الناس بالتقوى لأجل أن تنفع فيهم الموعظة والنصيحة والتذكير بكلام الله تعالى.
ننتقل إلى قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها.
قال الله سبحانه:"وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزوًا؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين"فيها فوائد ولطائف:
الأولى: اختلف الفقهاء أيهما أفضل النحر أم الذبح؟ واتفقوا على أن الجميع مُجزئ، وعلى أن الذبح أولى للغنم، وأن النحر أولى للإبل، واختلفوا في البقر، ورجح البعض في البقر الذبح استنادًا إلى لفظ الآية.
اللطيفة الثانية: قال الماوردي - رحمه الله: إنما أُمروا بذبح بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه.
الثالثة في قوله تعالى:"أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين"الإشارة إلى تحريم الاستهزاء بالغير والسخرية بهم.
وقال سبحانه في وصف البقرة:"لا فارضٌ ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك"قال بعض الفقهاء: يُستحسن في النسيكة أن تكون فوق الصغيرة ودون الكبيرة؛ لأن الله وصفها بقوله:"لا فارض ولا بكر"أي ليست كبيرة وليست صغيرة، ثم أكد ذلك بقوله:"عوانٌ بين ذلك"أي وسط بين الكبيرة والصغيرة.
وقال سبحانه عن البقرة أيضًا:"صفراءُ فاقعٌ لونها تسرُّ الناظرين"قال بعض السلف: إن الصفرة في الألوان السارة التي تُذهب الهم عن النفس وتُدخل إليها السرور بدلالة هذه الآية.
وأُعترض على هذا بأن الله تعالى أضاف إدخال السرور إلى البقرة، وليست إلى مُجرد لون الصُفرة، وهذا على كل حال من مليح العلم وليس من متينه.
وقال بعض الفقهاء: دلت الآية على استحسان الصورة الجميلة في النسيكة التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، وأن ما كان جميلًا من الحيوانات فهو أولى بالقربة.
ومن فوائد الآيات: إثبات أن الأمر في الشريعة يقتضي الوجوب، وهذا ظاهر.
ومن الفوائد أيضًا: إثبات أن الأمر يقتضي الفورية، ويوجب المُبادرة إلى الفعل، وهذا مأخوذ من قول موسى لقومه:"فافعلوا ما تُؤمرون"ومن قول الله سبحانه:"فذبحوها وما كادوا يفعلون"ففي الآية الأولى حض لهم على المُبادرة إلى الفعل، وفي الآية الثانية تعريضٌ لهم بسوء تلقيهم الأمر وتباطؤهم في تنفيذه.
ومن فوائد القراءة: أن القارئ ينبغي له أن لا يقف عند قوله:"لا ذلول"ويبدأ بقوله:"تثير الأرض"لماذا؟
(يُتْبَعُ)