فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 22343 من 53113

لأن المقصود في الآية هو نفي كلا الجملتين، فهي بقرة وصفها الله بأنها ليست مُذللَةٌ بحيث تُثير الأرضَ، وتقدير الآية: لا ذلولٌ ولا تُثير الأرضَ ولا تسقي الحرثَ.

وقال سبحانه:"مُسلمةٌ لا شية فيها"وذلك بعد قوله:"لا ذلولٌ تُثير الأرض ولا تسقي الحرث"قال علماء التفسير: هذا احتراس عن الظن بأن البقرة لا تُثير الأرض ولا تسقي الحرث بسبب علة بها أو عيب ككونها هزيلة أو عجفاء.

ومن الفوائد الفقهية: قال الإمام القرطبي - رحمه الله: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضُبط بالصفة وحُصر بها جاز السلم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والشافعي رحمهم الله.

ويتفرع عن هذه الفائدة قاعدة وهي: جواز تعيين المعقود عليه بالوصف، كالتعيين في عقد البيع وفي عقد النكاح، فلو قال الرجل: بعتك بيتي ووصفه بما يتميز به صح البيع، ولو قال الأب: زوجتك ابنتي ووصفها بما تتميز به، صح التعيين، بدلالة صحة التعيين في الآية الكريمة.

وفي الآيات فائدة من دقائق علم أصول الفقه، وقواعد علم القياس، قال ابن عاشور - رحمه الله: فيها الأخذ بالأوصاف المؤثرة في التشريع، دون الأوصاف الطردية التي ليس لها تأثير.

وفي قوله تعالى:"إن شاء الله لمهتدون"ردٌّ على المعتزلة وإبطال لقولهم في القدر، وإنكارهم للمشيئة الإلهية والإرادة الربانية، قال في التفسير الكبير: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى، فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لمّا أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة، أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يُريد (أي قدرًا) فحينئذ يبقى لقولنا: إن شاء الله فائدة، انتهى.

وقال سبحانه:"وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها والله مُخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها … الآية"احتج بعض المالكية بها على اعتبار قول المقتول: دمي عند فلان. وأنه موجب للقسامة، واعتُرض عليه بأن هذه الآية مُعجزة، والخوارق الخارجة عن العادات لا يُقاس عليها.

وأجاب ابن العربي المالكي بأن المُعجزة في إحياء الميت: فلما صار حيًّا كان كلامه ككلام سائر الأحياء. وفي الجواب نظر. والله تعالى أعلم.

الحلقة السابعة عشرة:

في قوله تعالى:"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم … الآية"فوائد:

الأولى: الإشارة إلى أن الإيمان لا يملكه الناس، لا أهل الدعوة ولا غيرهم، وأن التكليف على الدعاة هو الدلالة للحق وتبليغ الدعوة، لإدخال الإيمان في قلوب الناس.

الثانية: قوله:"لكم"يتضمن الإشارة إلى أن اليهود يعتقدون في قرارة أنفسهم بصحة القرآن والنبوة، ولكنهم لا يُقرون بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، قال علماء البلاغة: فائدة (اللام) في"لكم"لتضمين"يُؤمنوا"معنى يُقروا.

ويتفرع عن هذه الفائدة: الرد على مذهب غلاة المرجئة، وتفنيد مزاعمهم في تعريف الإيمان الشرعي قالوا: الإيمان هو مجرد المعرفة. والآية نفت عن اليهود الإيمان مع معرفتهم التامة بذلك.

الفائدة الثالثة: أشارت الآية بلحن الخطاب فيها: أن أفضل الطرق الدعوية هي إسماع الناس كلام الله تعالى وإفهامهم له، وقد دلت الآية كذلك على أن مَن لم تُجْدِ معه هذه الوسيلة فهو أجدر ألاّ تُجْدِي معه غيرها، ولا تؤثر فيه.

ثم قال الله سبحانه:"وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم"أي من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد جاء التعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق (أفاده الألوسي رحمه الله في تفسيره) .

ثم قال موبخًا لهم:"أفلا تعقلون"قال بعض المتأخرين: هذا ختام منطقي للآية؛ لأن مَن يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل، الذي يقول:"لِيُحاجوكم به عند ربكم"يكون مؤمنًا بأن له ربًا، ثم لا يخاف هذا الإله ولا يخاف عقابه، هذا لا يُمكن أن يتصف بالعقل.

وقال الله تعالى عنهم:"ومنهم أُميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني"فُسرت الأماني: بالتلاوة المجردة، وهي التلاوة التي لا يكون معها فهم ولا عمل، وفي هذا أدل دليل على ذم القوم الذين ليس لهم حظ من كتاب الله غير التلاوة المجردة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت