الأول: أن لفظ (الشراء) هو الاستبدال، فكأنهم امتلكوا الحق فتخلوا عنه، وفي هذا زيادة في توبيخهم.
الثاني: لفظ (الشراء) يدل على محبتهم للشيء الذي اشتروه، فهم قد اختاروا الضلالة محبة ورغبة - عياذًا بالله -.
وقال تعالى:"ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون"هاهنا لطيفة دقيقة: ربط سبحانه بين النور وبين الإبصار، أي إذا لم يكن ثمة نور، لا يكون إبصار. وهذا المعنى قد ثبت بواسطة العلم التجريبي الحديث، قال أهل الطب: إن العين لا تُبصر بذاتها، لكن تُبصر بانعكاس النور على الأشياء، ثم انعكاسه على العين، ولهذا فإن الإنسان لا يُبصر في الظلام.
الحلقة الرابعة عشرة:
حديثنا اليوم من قول الله تعالى:"يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون"إلى قول الحق سبحانه وتعالى في آخر قصة آدم:"والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
حديثنا عن الآيات يتناول العبر والفوائد، يتناول اللطائف والنكات، يتناول الدقائق في التفسير.
في قوله تعالى:"لعلكم تتقون"إثبات الغاية من العبادة، وبيان أن غاية عبادة العباد هي تقوى الله تعالى واتقاء عذابه وعقابه في الآخرة، وهذا البيان يتضمن التكذيب لمن يزعم خلافه، ويرد على مَن يقول إنه يعبد الله لا خوفًا من عقابه ولا طمعًا في جنته، وفيه أيضًا الرد لمَن يعيد فوائد العبادات ومصالحها إلى مصالح دنيوية وفوائد جسمانية.
وفي قوله تعالى:"جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً"
فوائد ونكات:
الفائدة الأولى: إثبات كمال رحمة الله بالخلق في الدنيا، وإثبات أن النعم كلها من عند الله. قال العلماء: إن النعم الحاصلة للعباد إما أن يكون سببها الإيجاد، وإما أن يكون سببها الإمداد، فأما الإيجاد فقد بينه الله تعالى في قوله:"الذي خلقكم والذين من قبلكم"، وأما الإمداد بالنعم فذكره في هذه الآية:"الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً".
الفائدة الثانية: إن قيل: جعل هنا بمعنى صيّر. فهذا فيه دليل على انتقال الأرض من حال إلى حال، وهكذا السماء حتى صارتا كما هي، وقواعد علم طبقات الأرض المسماة بـ (الجيولوجيا) توافق هذا المعنى تمام الموافقة.
الفائدة الثالثة: يُستنبط من الآية لطيفة فقهية، وهي أن الإنسان إذا مَلَك أرضًا فإنه يملك قرارها، ويملك ما يُقابله أيضًا من سمائها، فالأرض له فراش والسماء له هواء كما أشارت إليه الآية.
وقد فرّع الفقهاء على هذه المسألة مسائل منها: أن الجار لا يتعدى على هواء جاره، ومن المسائل المستحدثة، البحث عن حُكم مرور وسائل النقل الجوية من فوق الأراضي المملوكة للغير، وهل يلزم الإذن بذلك أم لا؟ وهل يملك صاحب الأرض الإذن في جميع الأحوال أم لا؟
الفائدة الرابعة: قال الإمام القرطبي - رحمه الله - قد دلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق. وقال غيره: أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن يجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء طيبًا والكلأ طعامًا، ولا نعبد أحدًا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا.
وفي قوله تعالى:"فأخرج به من الثمرات"إثبات المسببات وأسبابها، أي أن الله تعالى جعل في بعض المخلوقات خواصًا وأسبابًا يُتوصل بها إلى الغير، كما جعل في النار خاصية الإحراق، وجعل في الماء خاصية الإحياء للنبات، ولهذا قال تعالى:"فأخرج به"أي بالماء، بسببه، ولو لم يكن الماء سببًا ولم يكن الله قد أودع فيه خاصية الإحياء للنبات لما قال: به، وإنما قال: عنده أو نحو ذلك.
وفي قوله تعالى:"فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"بيان أن المعاصي مع العلم أقبح وأشد من وقوعها مع الجهل، وأن ذنب العالم أعظم من ذنب غيره.
وقال تعالى مُتحديًا:"فأتوا بسورة من مثله"أي من مثل القرآن الكريم وهذا فيه غاية التحدي، بأن يأتوا بمثل سورة، وليس بسورة، وهو أقل ما وقع به التحدي، وقد ظن البعض أن التحدي قد وقع بآية، وهذا ليس بصحيح وليس في كتاب الله الكريم، ومن الآيات ما يكون حروفًا مقطعة كقوله تعالى:"الم"وقوله:"طه".
وقوله تعالى:"وادعوا شهداءكم من دون الله"فيه فائدتان لطيفتان:
الأولى: أن الله أعظم لهم التحدي بأن يأتوا بشهداء من حزبهم هم، لا من حزب الله يشهدون بذلك.
(يُتْبَعُ)