قال العلماء: في قوله يُقيمون الصلاة دليل على أن المطلوب من المسلم هو إقامة الصلاة، وليس مجرد أدائها، وفرق بين مجرد الأداء والإقامة.
قالوا: وإقامة الصلاة تشمل أداء الصلاة في وقتها كل مرة، والإتيان بها ظاهرًا وباطنًا كما أمر الله، وحصول الأثر بها على عمل العبد وسلوكه.
وفي قوله:"ومما رزقناهم يُنفقون"ثلاث فوائد ولطائف:
الأولى: أن الرزق كله من عند الله، وأن الرزاق هو الله وحده لا شريك له، فلا نُسمي غيره رزاقًا، ولا نقول: فلان يقطع رزق فلان.
الثانية: أن يستشعر العبد في حال التصدق والنفقة، أن المال هو مال الله، وأنه عنده عارية.
الفائدة الثالثة: (مما) أصلها (من ما) و (من) هنا للتبعيض، فيكون الكلام في قوة: من بعض أموالهم يُنفقون، وفيه دليل على أن المطلوب من العبد أن يُنفق بعض ماله لا كله.
وفي قوله:"وبالآخرة هم يوقنون"الإشارة إلى فضيلة التفكر والتدبر في أمور الآخرة، وإعمال العقل وغوص الفكر للتوصل إلى اليقين بالآخرة، لا مجرد التقليد، وقد عرفنا هذا من مادة (يوقنون) قال أهل اللغة والبلاغة: اليقين هو العلم بالشيء عن طريق النظر والاستدلال.
وفي قوله تعالى:"أولئك على هدى"فائدتان عزيزتان:
الأولى: أن المؤمن متمكن من الهداية ومستمر عليها، فشُبهت حاله وتمسكه بالحق، بحال مَن اعتلى شيئًا وركبه. فهو ثابت فوقه مستمر في السير عليه.
الفائدة الثانية: فيها الإشعار بأن صاحب الحق في حال العلو والارتفاع؛ لأن لفظ (على) يدل على الاستعلاء، ولفظ (في) يدل على السُفل والانحطاط، ولهذا جاء في القرآن:"وإنا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مُبين".
وفي قوله تعالى:"أولئك هم المُفلحون"دلالة على أن الفلاح مرتبط بالتقوى، وأن غير المتقي لا يفلح أبدًا. قال العلماء: لفظ (هم) في الآية يدل على حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلتَ: الإنسان ضاحك. فهذا يُفيد أن الضاحكية تحصل من الإنسان ومن غيره. وأما لو قلتَ: الإنسان هو الضاحك. فهذا يُفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا من الإنسان.
ننتقل إلى الكلام عن الآيات النازلة في شأن الكفار والمنافقين.
قال الله في شأن الكافرين:"ختم الله على قلوبهم"ففيها دلالة على أن القلب هو محل العلم، وهذا هو الموافق لقوله سبحانه:"نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين"وغيرها من الآيات.
وقال الله في شأن المنافقين:"وما هم بمؤمنين"وذلك بعد أن حكى قولهم:"آمنا بالله وباليوم الآخر"قال العلماء: في الآية الكريمة رد على الكرّامية وأشباههم ممَن يقول الإيمان هو قول باللسان وإن لم يقترن به الاعتقاد بالقلب.
وقال الله تعالى عن المنافقين أيضًا:"ألا إنهم هم المفسدون"هذا التعبير فيه فائدتان لطيفتان:
الأولى: حذف معمول (يُفسدون) ليدل على أن فسادهم عام في كل شيء، فهو لم يقل: مفسدون في كذا. بل أطلق لفظ (مفسدون) .
الثانية: في الآية حصر الإفساد فيهم دون غيرهم، وذلك ليكون أبلغ في الرد على دعواهم:"إنما نحن مصلحون"هم حصروا أنفسهم في الصلاح، وهو رد عليهم بحصر الإفساد فيهم، وهذا أبلغ.
وقال الله عن المنافقين:"ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون"وقال قبل ذلك:"ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"قال مرة: يعلمون. وقال مرة: يشعرون؟
قيل: هاهنا ناسب ذكر السفه مع ذكر الجهل الذي هو خلاف العلم، لأنه لا يتسافه إلا جاهل، وقال عند ذكر فساد المنافقين: لا يشعرون؛ لأن النفاق وما فيه من البغي المُفضي إلى الفساد أمر ضروري جاري مجرى المحسوس الذي يُعلم من غير حاجة إلى العلم النظري.
وقال الله عن المنافقين:"وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا"وقال:"وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم".
عند المؤمنين قالوا: آمنا. وعند شياطينهم قالوا: إنا معكم. أيهما أبلغ؟ قولهم للكفار أبلغ وآكد.
قال أهل اللغة: الجملة الاسمية تدل على الاستمرار والثبوت، والجملة الفعلية تدل على التجدد. فقولهم للكفار: إنا معكم. جملة اسمية تدل على الثبات والتأكيد والاستمرار على الكفر. وقولهم للمؤمنين: آمنا. ليست كذلك في اللفظ إشارة مع ما بعده إلى أن إيمانهم إيمان متذبذب غير ثابت وليس بمستمر.
وقال عنهم:"اشتروا الضلالة بالهدى"فلفظ (اشتروا) فيه معنيان لطيفان:
(يُتْبَعُ)