فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 22336 من 53113

الحلقة الثالثة عشرة:

الحديث في هذه الحلقة يكون عن الآيات الأول من سورة البقرة. من قول الحق سبحانه:"ذلك الكتاب لا ريب فيه"إلى قوله تعالى:"إن الله على كل شيء قدير".

حديثنا عن الآيات يتناول العبر والفوائد، يتناول اللطائف والنكات، يتناول الدقائق في التفسير.

يقول تعالى:"ذلك الكتاب"في قوله: ذلك. إشارة إلى علو منزلة هذا الكتاب وإظهار لرفعة مكانته، قال العلماء: أشار إليه بلفظ: (ذا) الدال على البعيد؛ لبعد مكانته وعلو درجته.

وفي قوله: الكتاب، فوائد فقهية ولطائف ونكات:

الأولى: تسمية القرآن بالكتاب، إشارة إلى جواز كتابة القرآن، وقد اتفق العلماء على أن كتابة القرآن فرض كفاية على الأمة.

الثانية: جواز جمع القرآن الكريم لتسميته كتابًا، وهذا ما فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالثة:"أل"في الكتاب للعهد، أي ذلك الكتاب المعهود عندكم المعروف لديكم، المحفوظ، فدل ذلك على أن القرآن محفوظ لدى المسلمين.

وقد فرّع العلماء على هذه الفائدة حكمين:

الأول: وجوب حفظ القرآن الكريم عن الضياع والدرس والتحريف.

الثاني: أن مَن أنكر شيئًا من ذلك الكتاب - ولو حرفًا واحدًا - فهو كافر مرتد.

الفائدة الرابعة: إن لفظ (الكتاب) يدل على تعظيم شأن الكتاب، لأن الله أطلق عليه لفظ الكتاب، فهو الكتاب الكامل، الذي لا يستحق غيره أن يُسمى كتابًا في جنسه.

وفي قوله تعالى:"هدى للمتقين"إثبات أن هداية القرآن هداية عامة في كل شيء؛ لأن لفظ (هدى) جاء مُنكّرًا، والتنكير يدل على الإطلاق وعلى العموم.

ويتفرع عن هذه الفائدة الرد على المكذبين بهداية القرآن العامة، فبينت هذه الآية الكريمة أن القرآن هادٍ للمسلمين في جميع أمورهم وفي جميع أحوالهم وشؤونهم.

قال أهل السياسة المُنحرفة: القرآن ليس هداية في سياسة الأمة. وقال أهل الكلام المذموم: القرآن ليس هدىً في إثبات المعاد والصفات والنبوات. وقالت الشرذمة اللادينية: إن هداية القرآن محصورة بين العبد وبين ربه.

وقد أكذبهم الله جميعًا في هذه الآية، وأثبت للقرآن الهداية التامة العامة بلفظ موجز.

وفي قوله تعالى:"هدى للمتقين"دليل على أن الاهتداء بالقرآن مرتبط بتقوى الله تعالى، ومرتبط بالخوف من عقابه، وأن غير المهتدي لا ينتفع بهداية القرآن.

ويتفرع عن هذه الفائدة: أن الداعية إلى كتاب الله، وأن المُتصدي لإصلاح الناس ينبغي له أولًا أن يزرع في قلوبهم التقوى والخوف من الله، وأن يسعى لإزالة القسوة وأسباب الإعراض عن دين الله، فإذا نجح في هذا وُفق للموعظة بالكتاب، ونجح في التجاوب والتأثير.

وفي قوله تعالى:"هدى للمتقين"إيضاح المقصد من القرآن، وأنه أُنزل لسوق الناس إلى الآخرة وتخويفهم من الله ومن عذابه، فهو كتاب موعظة وهداية إلى التقوى. ويتفرع عن هذا أن القرآن ليس كتابًا في العلوم التجريبية، لا في الطب ولا في الفلك، ولا في الجغرافيا ولا في علوم الأحياء، وأن مَن تكلف لأجل إخضاع آيات القرآن لهذه العلوم ليس بمُصيب ولم يعرف مقاصده. نعم قد يوجد فيه إشارات إلى مسائل علمية مُعجزة، وهذا لا يُخرجه عن مقصده الأساس.

قال الله سبحانه:"هدى للمتقين"ثم بين معنى التقوى فقال:"الذين يُؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم يُنفقون"فهذه الآية تفسير للتي قبلها، وفيها بيان معنى المتقين، وتفسير لفظ التقوى في كتاب الله الكريم.

والله تعالى قد وصف المتقين بثلاث صفات، هذه الصفات تتضمن كمالات العبد، فـ (الإيمان بالغيب) حظ القلب، و (إقامة الصلاة) حظ البدن، و (مما رزقناهم يُنفقون) حظ المال.

في قوله تعالى:"يؤمنون بالغيب"الإشارة إلى أن كل عمل صالح أساسه الإيمان بالغيب، وتقدّم ذِكْره هنا لتقدم أمره، ولبناء غيره عليه.

وقال الله:"يؤمنون بالغيب"ولم يقل: (الغائب) ، فالغيب يدخل فيه الإيمان بالله، وأما الغائب فلا يدخل فيه. قال بعض العلماء: فرق بين الغيب والغائب، فالغيب: هو مالا تراه أنت، وأما الغائب: فهو ما لا تراه ولا يراك.

وفي قوله:"ويُقيمون الصلاة"إشارة إلى وجوب المحافظة على الصلاة، وإدامة أدائها في كل مرة بدون تخلف؛ لأن مادة الإقامة تدل على المواظبة والتكرار، والإقامة بمعنى جعلها قائمة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت