الثانية: استدل بعض الفقهاء بالآية على عدم اشتراط العدالة في إثبات العيوب والسلامة لأهل المعرفة، وعللوا ذلك بأن المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور، وقد قام الوازع العلمي أو العرفي في شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني، لأن العارف حريص ما استطاع ألاّ يؤثر عنه الغلط والخطأ (أفاده ابن عاشور في تفسيره) .
وقال تعالى:"فإن لم تفعلوا"أي في الحاضر، وهذا تحدٍّ عظيم، ثم قال:"ولم تفعلوا"أي في المستقبل وهذا تحدٍّ أعظم. قال العلماء: قد تضمنت الآية إعجازين:
الأول: التحدي لهم بأن يأتوا بمثل سورة من القرآن.
والإعجاز الثاني: أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من القرآن.
وفي قوله تعالى:"فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة"توبيخ للمشركين بتغليظ وتبليد، كأنه يقول لهم: أنتم والحجارة سواء في نار جهنم، كما كنتم في الدنيا كالحجارة لا تفهم ولا تعي عن الله، وكما كانت قلوبكم قاسية كقسوة الحجارة لا تتأثر بمواعظ الله.
وفي قوله تعالى عن النار:"أعدت للكافرين"إثبات أن النار موجودة مخلوقة الآن، وهذا هو المذهب الحق الذي عليه أهل السنة، وخالف فيه بعض أهل البدع.
وقوله سبحانه:"وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات"دليل على أن العمل من الإيمان ويُعرف هذا من وجهين: الأول، أن الجنة تُنال بالإيمان وبالعمل الصالح معًا، ولهذا جمع الله بينهما في الآية، والإيمان المُتنازع فيه هو الإيمان الذي يُدخل الجنة.
الوجه الثاني: قال القرطبي - رحمه الله: قوله تعالى:"وعملوا الصالحات"رد على مَن يقول: إن الإيمان يقتضي الطاعات؛ لأنه لو كان ذلك ما أعادها. انتهى.
وقال سبحانه:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"قال ابن عاشور- رحمه الله-: أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريق الطعن في المعاني.
وقوله تعالى:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا"فيه فوائد:
الأولى: صحة مذهب جمهور الفقهاء في إباحة كل ما في الأرض مما يُنتفع به، وليس فيه ضرر، ولم يحرم، وأن الأصل في الأشياء الإباحة لا التحريم. قال الفقهاء: لو اشتبه علينا حل حيوان وحرمته فالأصل إباحته، ولو اشتبه علينا حل عمل دنيوي أو حرمته فالقول لمَن قال بالإباحة حتى يأتي المُحرم بدليل.
الثانية: في قوله:"لكم"إظهار تكريم الله لعباده، وتفضله عليهم، وأنه سبحانه قصدهم بالانتفاع.
الثالثة: قال القرطبي - رحمه الله: قال علماؤنا - رحمهم الله - خوف الإقلال من سوء الظن بالله، لأن الله خلق الأرض بما فيها لولد آدم.
الرابعة: في الآية إثبات أن الإنسان هو الكائن الأعلى في الأرض، وأنه هو المخلوق الأول الذي يُخدم ولا يَخدم في هذا الميدان الواسع، وأنه هو سيد الأرض وسيد الآلة. (أفاده صاحب الظلال) .
ويتفرع عن هذه الفائدة: أن القيم الإنسانية مُقدمة على القيم المادية، وأن فيها هدمًا لمناهج الغربيين في تقديس المادة، وإبطال كل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان، وأن المادة مُسخرة للإنسان لا أن تستذله أو تستعلي عليه (أفاده صاحب الظلال) .
الفائدة الخامسة: في الآية الكريمة الحث على إثارة الأرض، والعمل في استعمارها، والتقدم في بنائها وعمرانها والانتفاع بها. وقال تعالى:"جميعًا"ليتحصل الانتفاع بكل الأرض لا ببعضها. وفي هذا غاية التقدم المادي والتطور الحضاري.
الفائدة السادسة: في قوله تعالى:"لكم"إثبات تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض. وقد نقل الشاطبي - رحمه الله - في الموافقات عن جمهور علماء المسلمين: أن أحكام الله تعالى مُعللة بالمصالح ودرء المفاسد.
ننتقل إلى قصة آدم عليه السلام وذكر خلقه وخلافته.
قال تعالى:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"قال القرطبي - رحمه الله: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة ليُسمع له ويُطاع، لتُجمع به الكلمة، وتستفيد به أحكام الخليقة.
وفي الآية: إثبات أن الملائكة مخلوقات لها عقول مُدركة، ولها إرادات وهم يتحاورون ويتكلمون، فلهم القدرة على الأعمال، وفي هذا إبطال لقول بعض الفلاسفة: أن الملائكة عبارة عن القوى الخيرية وأنها ليست أجسامًا تعقل وتتكلم.
(يُتْبَعُ)