إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ? [الحجر: 6 - 9]
يقول ابن عطية في تفسيره: وقوله تعالى ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ? ردّ على المستخفّين في قولهم ? يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ? وهذا كما يقول لك رجلٌ على جهة الاستخفاف يا عظيم القدر، فتقول له على جهة الرد: نعم أنا عظيم القدر، ثم تأخذ في قولك. ( [3] ( http://tafsir.net/vb/showthread.php?p=116797#_edn3 ) ) اهـ
ومعلوم أن الذكر الذي قصده هؤلاء الكفار وأرادوه بقولهم ?يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ? [الحجر: 6] إنما هو القرآن الذي تمّ نزوله على محمد صلى الله عليه وسلم بالعربية، إذن فالمراد من الذكر في جوابه تعالى بقوله ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ? [الحجر: 9] هو القرآن الذي نزل بالعربية والذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم ويبلّغه إليهم. ولو كان المراد بالذكر هنا غير ما أراد به هؤلاء المنكرون هناك، لخالف الجواب والردّ عما يقتضيه الحال والسؤال، وهو عيبٌ في كلام البشر كما هو معلوم في علم البلاغة والفصاحة، فكيف بكلام خالق البشر.
والخلاصة أن القرآن محفوظ بحفظ الله تعالى بأن يسّر الله تعالى أسبابه وأزال حواجزه، وإذا كان القرآن محفوظا بحفظ الله فكذلك اللغة العربية المتمثلة في القرآن، فإنها لغة محفوظة بحفظ القرآن الكريم، ولكن للأسف الشديد فقد بدأ يقلّ الاهتمام بهذه اللغة سواء من العرب أنفسهم أم من غيرهم، ولكن -الحمد لله- لم يزل القرآن موضوع قراءة ودراسة وبحث إلى الآن، سواء من حيث مضامينه أو لغته البديعة المعجزة.
ثم إن القرآن أيضا محفوظ حال كونه في اللوح المحفوظ قبل نزوله إلى محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى ?بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ? [البروج: 21 - 22] يقول ابن عاشور: وحفظ اللوح الذي فيه القرآن كناية عن حفظ القرآن. وقرأ نافع وحده برفع"محفوظ"صفة ثانية للقرآن. ( [4] ( http://tafsir.net/vb/showthread.php?p=116797#_edn4 ) ) يقول ابن كثير: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. ( [5] ( http://tafsir.net/vb/showthread.php?p=116797#_edn5 ) )
وقراءة الرفع في"محفوظٌ"يدلّ على أن القرآن محفوظ أيضا حالة كونه في اللوح المحفوظ، يعني: أن التنوع الإعرابي النحوي في كلمة"محفوظ"يدل دلالة مغايرة لقراءة الخفض في"محفوظٍ"كما أن ذلك التنوع يفيد عن قضية حفظ القرآن الآخر، وهو حفظه في اللوح المحفوظ قبل نزوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في خلال أكثر من عشرين سنة.
فمن خلال هذا التحليل اللغوي للآية القرآنية يمكن أن نردّ ما قيل من أن القرآن محفوظ قبل نزوله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نعرف أنه محفوظ في جميع تنزلاته، عند نزوله من الله إلى اللوح المحفوظ، وعند نزوله من اللوح المحفوظ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما عن حفظ القرآن قبل نزوله إلى اللوح المحفوظ فقد ثبت في علم الكلام أن جميع صفات الله تعالى قديمة، وكلام الله صفة من صفاته القائمة بذاته تعالى فلا تتغيّر ولا تتبدل، وهي قديمة كسائر صفاته تعالى، وهذا مما لا غبار فيه؛ لأن التغيّر من علامة الحدوث والله منزّه من أن يتصف بالحادث.
ــــ
(يُتْبَعُ)