كما أن الاستدلال بأثر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لتعليل عدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لتفسير القضايا التي يبحثها بعض الكاتبين في الإعجاز العلمي وأنها مما لا يعقله الصحابة في ذلك الوقت، مستحيل في حقهم جميعًا رضي الله عنهم وهم الذين صدقوا وعقلوا أبعد من ذلك كما سيأتي.
إن محل تطبيق هذا الأثر ليس في أمور العقائد وتصحيح التصورات التي تبني عقلية المسلم وعقيدته وشخصيته، كما أنه ليس محلها في بيان الأحكام الشرعية، وإنما محلها في المتشابه، أي: فيما يشتبه عليهم فهمه كما قال ابن حجر وتبعه بذلك العيني في شرح البخاري، أو يكون محلها في الأمور الغيبية المستقبلية التي قد يخشى من ذكرها افتتان بعض ضعاف النفوس والعقول فيؤدي لإزهاق النفس، كما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (حفظت عن النبي وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم) ، ولذلك كان ابن عباس يخفي أشياء لا يحدثها لعامة الناس وكان يحدث بها أهل العلم كما ذكر ذلك الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة، وكان هذا ما يفعله ابن مسعود رضي الله عنه كما في مقدمة صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) .
ويؤيد هذا أننا لو استعرضنا مواقف مشهورة وبدهية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوجدنا أنه صلى الله عليه وسلم حدث الناس في مكة برحلة الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وكانت الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى،، وكان صلى الله عليه وسلم يبشر المسلمين في غزوة الخندق بفتح الروم وفارس وبلاد الشام واليمن، ولم يخَفِ النبي صلى الله عليه وسلم تكذيب المشركين وتصفيقهم واستهزاءهم في مكة، ولم يحفل باستهزاء المنافقين وتشكيكهم في المدينة، وهاتين الحادثتين يستحيل للعقل المجرد تصديقها بمقاييس العادة.
كما فصل القرآن بعض القضايا الكونية المتعلقة بخلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم خلق العظم ثم كسا العظم لحمًا سبحانه، وكل هذه من الغيبيات على الصحابة ومن بعدهم وهي أعجب من كروية الأرض والثقوب السوداء، كما ذكر القرآن غير ذلك مما لا يدركه العقل وقتها وصدق به المسلمون، كذكره انفجار النجوم وتكوير الشمس وانشقاق السماء، وأن اللبن يخرج من بين فرث ودم وكان مما لا يتصوره المسلمون ولا غيرهم.
لقد كان من الواجب على هؤلاء - بدلًا من طرح فرضيات وتصورات لا واقع لها - أن يبحثوا عن الحكمة في ترك كثير من الآيات الكونية بلا تفسير، وأن يدرسوا مقاصد القرآن في عرض هذه الآيات الكونية في سياقها، وهذا ما سنتعرض له بإذن الله تعالى في مقالنا القادم إن فسح الله في العمر وأمد بالتوفيق، والله أعلم.
قال الله تعالى: (( ولا تقف ما ليس ل كبه علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا ) ) [الإسراء:] .
ـ [أبو سعد الغامدي] ــــــــ [04 May 2010, 09:26 م] ـ
شكر الله لك دكتور مرهف
والسؤال:
هل ما يسمى بالآيات الكونية كان يحتاج إلى تفسير؟
بمعنى آخر هل توقف فهم الآيات الكونية والإفادة منها على إدراك ما دلت عليه على الحقيقة؟
وأذكر على سبيل المثال قول الله تعالى:
(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3 ) )
ـ [مرهف] ــــــــ [05 May 2010, 06:43 م] ـ
الأخ أبا سعد الغامدي أيدك الله:
يراد بـ (الآيات الكونية) الآيات القرآنية التي تتحدث عن القضايا الكونية أي ما يتعلق بالكون من المخلوقات كالنجوم والشمس والقمر و الإنسان والحيوان .. وغير ذلك.
أما هل تحتاج إلى تفسير أم لا فهذا سؤال يستحق البحث والنقاش، ولكني أقول - والله أعلم - أن هذه الآيات تستوعب دلالاتها فهوم الناس وما يستجد في معارفهم إلى يوم القيامة، ولا يعني هذا أن ما يذكر من جزئيات مراد بالكلام فالعبرة أولًا وآخرًا بالدلالة القرآنية وما يدخل فيها حسب أصول التفسير، وإنما الحديث عن أصول القضايا الكونية، وإن معرفة العلوم الكونية لشرح دلالات الآيات القرآنية مطلوب وعليه عمل المفسرين، ولما كانت عجائب القرآن لا تنقضي فإن هذه الآيات عجائبها - بمعنى علومها - لا تنقضي، فهي إذن ما زالت تحمل في مقتضاها عجائب تصب في مقاصد القرآن من إثبات الوحدانية والنبوة وكون القرآن من عند الله وإثبات أصول الإسلام
(يُتْبَعُ)