لعل من أول اهتمامات أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالزكاة قتاله لمانيعها حين منعها بعض العرب بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقالوا أديناها لرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته فلا نؤديها بعد وفاته فما كان من أبي بكر رضي الله عنه إلا أن قاتلهم حتى أجبرهم على دفعها يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) . فقال أبو بكر والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها فقال عمر فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق [1] .
وقد سار أبو بكر رضي عنه في توزيع أموال الزكاة على مصارفها المعهودة سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكان يأخذ لنفسه من بيت المال قدرًا ضئيلًا فرضه له المسلمون ثم يعطي أصحاب الفرائض فرائضهم وما بقي في بيت المال يتفق في تجهيز الجيوش للجهاد ورأى رضي الله عنه أن يسوس في العطاء بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام وكان يقول (أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك وإنما ذلك ثوابه على الله جل ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثر) .
وقد وضع رضي الله عنه بيتًا للمال في السنح ـ موضع بعوالي المدينة ـ ولم يجعل عليه حارسًا فقيل له يا خليفة رسول الله ألا تجعل على بيت المال من يحرسه فقال لا يخاف فقيل له ولم قال عليه وكان يعطي ما فيه حتى لا يبقى في شيء.
(1) رواه البخاري ـ انظر صحيح البخاري ج2 ص91.