وقل أن يُرى من يعمل بجد واجتهاد وروية ودراسة عملًا متكاملًا يضع في برنامجه وأولوياته التمكين وإقامة دولة الإسلام كهدف استراتيجي كما يسمونه ..
وفي كل مرة لم نكد نفرح برائحة شيء من ذلك حتى يسلم المجاهدون - بقصر نظر قياداتهم - ثمرة جهادهم ودمائهم إلى صناديق الإقتراع ليقفز لنا من داخلها كل نطيحة ومتردية يثبتون أركان كراسي حكمهم فوق أشلاء الأبطال وجماجم الشهداء ..
ولما اكتسحت الطالبان عموم أفغانستان ولم يبق إلا الشمال وقف أكثر الناس ومنهم طائفة كبيرة من المتحمسين لأفغانستان والطالبان وقفوا يتفرجون، وانشغلوا في إيجاد المعاذير لترك القتال مع الطالبان، بل ذهب بعضهم يعد ويتدرب للأعمال النكائية المجردة هنا وهناك وترك أو قصّر في تثبيت وترسيخ التمكين والدولة التي تجشم الصعاب وشد الرحال إليها وكان يستظل بظلها، وأمضى عمره من قبل يحلم بها ..
إن النيران المشتعلة اليوم حولنا في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها، ومناظر وأخبار القتل والتعذيب والتشريد والإهانة والإذلال على أيدي اليهود والأمريكان وأذنابهم وفي سجونهم في أبي غريب وجوانتنامو وباجرام وسائر العواصم العربية والأجنبية ..
إضافة إلى منظر برجي التجارة والنيران تلتهمهما وهما ينهاران .. كل ذلك دون أدنى شك يؤثر بحرارته على حماس الشباب والمجاهدين ويدفع بعضهم إلى المبادرة إلى أي عمل يشفون به صدورهم ويثأرون به لأمتهم ودينهم وإخوانهم المسلمين ويحاكون به عمل أبطال غزوات نيويورك وواشنطن ..
وأنا هنا لا أريد أن أطفئ جذوة تلك الحرارة من صدور الشباب المجاهد، ولا أسعى كما يسعى كثير من القعدة والمخذلين إلى تبريد الشباب وتجميد عواطفه وإماتة نخوته وغيرته عياذًا بالله؛ ببث ثقافة الدواجن التي هي ثمرة عفنة من ثمرات العقيدة الإرجائية المعاصرة المنبطحة تحت أحذية الطواغيت؛ وإنما الذي أطلبه وأتبناه وأسعى إليه وأنبه عليه أن يكون التأثر بهذه الحرارة إيجابيًا لا أن يكون تضررًا سلبيًا يعطل أو يقطع برامج الإعداد الجاد أو يحرف عنها، أو يعكّر المزاج الإسلامي الأصيل واختياراته الشرعية الرزينة والصحيحة، فيدفع إلى اختيارات حماسية لا يراعى فيها الأنفع والأكمل في الثأر للإسلام وأهله ..
إذ الثأر الحقيقي والناجع إنما هو ذاك الذي يقر أعين المسلمين حقًا، ويغيظ المشركين والمرتدين صدقًا بتنكيس راياتهم وقطع طرفهم واستئصال دولتهم ورفع راية التوحيد والدين بالتمكين لها وتحكيم شرعها، وهذا لا يتأتى في زماننا إلا بأن يتعامل المسلمون والمجاهدون مع الجهاد كمشروع متكامل ناضج .. له برنامجه الواضح والجاد وقيادته الواعية وخطابه الناضج والأصيل، وبوصلته الواضحة، وهدفه المحدّد غير المتقلب، ووسائله المشروعة النظيفة .. وجنده المخلصون المنضبطون بضوابط الشرع المتبصّرون بواقعهم المستبينون لسبيل المجرمين ..
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قادرًا على أن يثأر لنفسه من أهل الطائف لما ردوه وآذوه وسلطوا عليه سفهاءهم فأدموا قدميه بالحجارة كان صلى الله عليه وسلم قادرًا على أن ينتقم منهم ومن كفار قريش الذين آذوه وآذوا أصحابه أيضا يوم جاءه ملك الجبال وعرض عليه ذلك فأبى أن يثأر لنفسه وصبر وصابر وجد واجتهد وجاهد هو وأصحابه حتى مكن الله لهم فكان الثأر الحقيقي الكامل للدين بأشرق صوره حين ارتفعت راية التوحيد ونكست راية التنديد وصار كفار قريش والطائف وغيرهم في قبضته وكان الفتح فقتل منهم من قتل وعفا عمن عفا ودخلوا في دين الله أفواجا ..