الصفحة 8 من 9

-الحالة الثالثة؛ إذا داهم العدو دارا من ديار المسلمين ولم يستطع أهل تلك الدار دفع العدو فإنه يلزم من جاورهم واستطاع إغاثتهم أن يغيثهم:

ولا يجوز لأحد من هؤلاء أن يتخلف بحال حتى يحصل المقصود من دفع العدو عن ديار المسلمين، فإن لم يكف من جاورهم فإن فرض الجهاد يتسع حتى يحصل المقصود من دفع العدو ولو شمل الوجوب الدنيا كلها.

ويلحق بهذا أيضا أن يتغلب عدو كافر على دار من ديار المسلمين، فإن دفعه واجب على أهل تلك الدار ومعونتهم واجبة على من جاورهم إن لم يستطيعوا دفع العدو وحدهم.

بل إن العلماء قد صرحوا بوجوب معاونة أهل الثغور الذين يظنون أنهم لا يستطيعون دفع العدو إن حل بثغورهم على كل من قدر على ذلك، إذ إن ترك معاونتهم ونصرتهم في هذه الحالة يؤدي ولا شك إلى استيلاء العدو على بلاد المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم وحريمهم، والقعود عن نصرتهم والحالة هذه إثم عظيم ومفسدة كبرى، وهذا أيضا مما لا خلاف فيه بين المسلمين.

قد قصر جمهور أهل الإسلام في كل هذه الواجبات في هذه الأزمان حتى حل العدو الكافر - سواء الأجنبي منه أو المحلي - في ديار المسلمين ولم يجد من يدفعه من أهل الإسلام حتى عم الخطب وانتشرت أنواع الفساد وعمت البر والبحر وتُرك إخواننا في أيدي اليهود والنصارى يذيقوهم ألون العذاب ويفتنوهم في دينهم ولم يحرك أهل الإسلام ساكنا اللهم إلا الشجب والاستنكار، وأهمل أهل الإسلام أمر الله تعالى لهم ورسوله صلى الله عليه وسلم في وجوب نصر المسلم وترك خذلانه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وفي بيان هذا الفرض يقول القرطبي رحمه الله: (وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبانا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بعدوهم ومدافعتهم، وكذلك من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم، لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في هذا) [28] اهـ.

وقد حل العدو المرتد المحارب لله ورسوله وتغلب على بلاد المسلمين من أزمان، وإنا لله وإن إليه راجعون.

وقال الجصاص رحمه الله: (ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية) [29] اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لاشيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان) [30] اهـ.

وقال أيضا رحمه الله: (لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد، فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا، ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه، العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق، ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجبا عليهم، لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار، ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع، وهل تباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرته؟ فيه قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد، ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبا مطلوبا أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب والنفوس فيه أرغب من الوجهين) [31] اهـ.

وقال أيضا رحمه الله: (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فانه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال الله تعالى: {وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} ، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم [32] ، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو، كغزاة تبوك ونحوها) [33] اهـ.

فقتال هؤلاء المفسدين لدين الناس ودنياهم اليوم من الحكام الطواغيت وأعوانهم وجنودهم؛ هو دفع للصائل على الدين والعرض والنفس والمال ولا شك، يجب على كل مسلم السعي في دفعه بما يملك، وإلا كان من الفارين أهل الوعيد، وإذا تنبهت لقول شيخ الإسلام بأنه لا يُشترط لوجوب هذا الجهاد شرط وأنه أفرض شيء بعد الإيمان بالله؛ علمت جناية من ينهى الناس عن دفع هؤلاء الصائلين على دين المسلمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية) [34] اهـ.

وقال أشرف على التهانوي رحمه الله: (إذا هجم الكفار على بلد من بلاد المسلمين صار الجهاد فرض عين على كل مكلف لا عذر له، وأجمعوا على أنهم إذا هجم العدو دار قوم من المؤمنين يجب على كل مكلف من الرجال، حرًا كان أو عبدًا، غنيًا كان أو فقيرًا ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروجُ إلى الجهاد، وحينئذ يكون من فروض الأعيان، فلا يظهر فيه حق العبد كالمولى والدائن والأبوين كما في الصلاة والصوم، وقال أبو حنيفة رحمه الله: تخرج المرأة دون إذن زوجها، لأنه لا دَخْل للزوج في فروض الأعيان، فإن وقع بهم الكفايةُ سقط عمن وراءهم، وإن لم يقع بهم الكفاية يجب على مَن يَليهم إعانتُهم، وإن قعد من يليهم يجب على مَن وراءَهم، الأقربُ فالأقربُ، والله أعلم) [35] اهـ.

وقال علاء الدين الكاساني رحمه الله: (وإن ضَعُفَ أهل ثَغْر عن مقاومة الكفرة، وخيف عليهم من العدو فعلى من وراءَهم من المسلمين الأقربُ فالأقربُ أن ينفروا إليهم وأن يُمِدُّوهم بالسلاح والمال، لِما ذكرنا أنه فرض على الناس كلِّهم ممن هو من أهل الجهاد، لكن الفرض يسقط بحصول الكفاية بالبعض ... ) .

إلى أن قال: (فأما إذا عمَّ النفير بأن هجم العدو على بلد فهو فرض عين يُفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه لقوله سبحانه وتعالى: {انفروا خفافا وثقالا} ، وقوله سبحانه وتعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} ، ولأن الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت، لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضا على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن زوجها، لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينا مستثناة عن ملك المولى والزوج شرعا كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه، لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة، والله سبحانه وتعالى أعلم) [36] اهـ.

وقد هجم الأعداء المرتدين على بلاد المسلمين وغلبوا على حكمها من أزمان متطاولة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولما حارب نصارى الإنجليز والفرنسيين أهل الإسلام واحتلوا كثيرا من ديارهم أخرج الشيخ أحمد شاكر بيانا للمسلمين يحثهم فيه على جهاد الإنجليز والفرنسيين بعنوان؛"بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمة العربية والإسلامية عامة"، قال فيه: (أما وقد استبان الأمر بيننا وبين أعدائنا من الإنجليز وأحلافهم، فإن الواجب أن يعرف المسلمون القواعد الصحيحة في شرعة الله في أحكام القتال وما يتعلق به معرفة واضحة، يستطيع معها كل واحد أن يفرق بين العدو وغير العدو، وأن يعرف ما يجوز له في القتال وما لا يجوز وما يجب عليه وما يحرم، حتى يكون عمل المسلم في الجهاد عملا صحيحا سليما خالصا لوجه الله وحده إن انتصر انتصر مسلما له أجر المجاهد في الدنيا والآخرة، وإن قُتل قُتل شهيدا.

إن الإنجليز أعلنوها على المسلمين في مصر حربا سافرة غادرة، حرب عدوان واستعلاء، أعلنوها على المسلمين في السودان حربًا مقنعة مغلفة بغلاف المصلحة للسودان وأهله، مزوقة بحلية الحكم الذاتي الذي خدع به المصريون من قبل، وقد رأينا ما يصنع الإنجليز في منطقة قناة السويس وما يقاربها من البلاد من قتل المدنيين الآمنين والغدر بالنساء والأطفال والعدوان على رجال الأمن ورجال القضاء حتى لا يكاد ينجو من عدوانهم صغير أو كبير، فأعلنوا بذلك عداءهم صريحًا واضحا لا لبس فيه ولا مجاملة ولا مداورة، فصارت بذلك دماؤهم وأموالهم حلالًا للمسلمين، يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم وأن يقاتلهم حيثما وجدوا - مدنيين كانوا أو عسكريين - فكلهم عدو، وكلهم محارب مقاتل، وقد استمرءوا الغدر والعدوان حتى إن نساءهم وفتيانهم ليطلقون النار من النوافذ والشرفات في الاسماعيلية والسويس وبور سعيد على المارين المسالمين دون خجل أو حياء، وهم قوم جبناء يفرون حيث يجدون القوي المناضل ويستأسدون حيث يجدون الرخو الضعيف، فلا يجوز لمسلم أن يُستضعف أمامهم أو يريهم جانب اللين والعفو (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) ، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء في الحرب، وهو نهي معلل بعلة واضحة صريحة أنهن غير مقاتلات، فقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته على امرأة مقتولة فقال (ما كانت هذه لتقاتل) ثم نهى عن قتل النساء.

أما الآن ونساؤهم مجندات يحاربن مع الرجال جنبا إلى جنب، وغير المجندات منهن مسترجلات يطلقن النار على المسلمين دون زاجر أو رادع فإن قتلهن حلال بل واجب للدفاع عن الدين والنفس والبلد إلا أن تكون امرأة ضعيفة لا تستطيع شيئًا.

وكذلك الحال مع الصبيان دون البلوغ والشيوخ الهالكين الضعفاء؛ من قاتل منهم أو اعتدى قتل، ومن لم يفعل فلا يعرضن أحد له بسوء إلا أن يؤخذوا هم والنساء أسرى.

وقلنا: يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يقتلهم حيثما وجدوا، مدنيين أو عسكريين، ونحن نقصد إلى كل حرف من معنى هذه الجملة، فأينما كان المسلم ومن أي جنس كان من الأجناس والأمم، وجب عليه ما يجب علينا في مصر والسودان، حتى المسلمين من الإنجليز في بلادهم - إن كانوا مسلمين حقا - يجب عليهم ما يجب على المسلمين من غيرهم ما استطاعوا، فإن لم يستطيعوا وجبت عليهم الهجرة من بلاد الأعداء أو من البلاد التي لا يستطيعون فيها حرب العدو بما أمرهم الله، فإن الإسلام جنسية واحدة - بتعبير هذا العصر - وهو يلغي الفوارق الجنسية والقومية بين متبعيه، كما قال تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} ، والأدلة على ذلك متواترة متضافرة وهو شيء معلوم من الدين بالضرورة لا يشك فيه أحد من المسلمين، بل إن الإفرنج ليعرفون هذا معرفة اليقين، ولم يتشكك فيه إلا الذين رباهم الإفرنج منا واصطنعوا لأنفسهم حربا على دينهم وعلى أمتهم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون .... )، إلى آخر كلامه رحمه الله.

وقال الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي رحمه الله تعالى: (وحكم الجهاد في وقتنا الحاضر أنه فرض عين على كل قادر عليه، وقد أجمع علماء الأمة قديما وحديثا على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات، الأولى: إذا حصر العدو بلدا من بلاد المسلمين أو احتلها، والحالة الثانية: إذا حضر الصف في معركة بين المسلمين والكفار، والحالة الثالثة: إذا استنفره الإمام الشرعي، ونحن إذا نظرنا إلى ما يجري في فلسطين وفي الشيشان وجدنا أن العدو قد احتل هذه البلدان وآذى أهلها بشتى أنواع الأذى من القتل والتدمير والسلب والنهب وانتهاك الأعراض، إذا فيجب على الأمة الإسلامية حكاما ومحكومين كل فيما يخصه أن يهبوا لنصرة إخوانهم المضطهدين في هذه البلدان وغيرها، وليعلنوا الجهاد ويشنوها حربا شعواء على أعداء الله في فلسطين وفي والشيشان وغيرها) اهـ.

وقال الشيخ على الخضير حفظه الله تعالى: (الجهاد في هذا الوقت فرض عين، {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} ، وقد نقل جمع من أهل العلم أن بلاد المسلمين إذا دهمت وجب القتال, وأيضا إذا صال صائل وجب فرضا, وقد صال التحالف الدولي اليوم لمحاربة الإرهاب ويقصدون محاربة الإسلام والمسلمين والجهاد في كل مكان، كما صرح طاغوتهم الأكبر أنها حرب صليبية, وهي حرب متعددة الأنواع عسكرية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وفي جميع الأمكنة وعلى جميع الأصعدة, وكل يجب عليه بقدر ما يستطيع, وليس ميدان القتال هو أفغانستان فقط بل نجاهدهم في كل مكان، فإن نوعية الحرب اليوم اختلفت وليس لها ميدان معين ولا أرض محددة, فهم صالوا على الإسلام في كل مكان فنحاربهم في كل مكان) اهـ.

هذا وقد ثبت في الشريعة أن عقوبة المرتد أغلظ من عقوبة الكافر الأصلي، ولذلك فإنه يجب قتل المرتد إجماعا، ومن الكفار الأصليين من تقبل منهم الجزية ولا يقتلون مع كونهم كفارا مثل أهل الكتاب، ومنهم من يُعاهد أو يُهادن وهو كافر بخلاف المرتد، والمرتد المتسلط على بلاد المسلمين هو بالنسبة لقاطني هذه البلاد عدو أقرب، والكفار الأصليين في بلادهم هم عدو أبعد، والواجب من حيث الأصل البداءة بالأقرب قبل الأبعد [37] .

وإذا نظرنا إلى هؤلاء الطواغيت الذين تسلطوا على بلاد المسلمين؛ لوجدنا أن كل الأوصاف المؤثرة في البداءة بقتالهم قد تحققت فيهم، فهم مرتدون عن الإسلام من عدة أوجه - بيناها في مبحث آخر - وهم أقرب الكفار إلى من يعيش بين ظهرانيهم، وهم محاربون للإسلام والمسلمين أيما محاربة، فقد قامت بهم أوصاف؛ الردة والقرب والمحاربة مما يجعلهم أجدر بوجوب جهادهم من الأجنبي، والله تعالى أعلم.

[28] تفسير القرطبي: 8/ 141 - 142، راجع الكافي لابن عبد البر: 1/ 205.

[29] أحكام القرآن للجصاص: 4/ 312.

[30] الاختيارات الفقهية لابن تيمية: 309.

[31] الفروسية: 188.

[32] روى البخاري والترمذي وأحمد عن أنس رضي الله عنه بألفاظ متقاربة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) ، قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال صلى الله عليه وسلم: (تأخذ فوق يديه) ، وهذا لفظ البخاري، وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) ، وهذا لفظ مسلم، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى ها هنا بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم) ، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وفي الباب عن علي وأبي أيوب رضي الله عنهما، وروى أحمد عن إسماعيل بن بشير قال سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاريين رضي الله عنهما يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل امرأ مسلما عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) .

[33] مجموع الفتاوى: 28/ 358.

[34] شرح مسلم للنووي: 8/ 6364، راجع: الروضة للنووي: 10/ 214 وما بعدها، مُغني المحتاج: 4/ 209 وما بعدها.

[35] أحكام القرآن للتهانوي: 2/ 331.

[36] بدائع الصنائع للكاساني: 7/ 98، راجع: حاشية ابن عابدين: 3/ 219 - 337 وهذه المسألة مذكورة في كل كتب الفقه والحديث والتفسير ومن أراد المزيد فليراجع: الأم للشافعي: 4/ 170، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 2/ 174، والمغني لابن قدامة: 10/ 389، ج9/ 147، التاج والإكليل: 4/ 539، نهاية المحتاج للرملي: 8/ 58، البحر الرائق لابن نجيم: 5/ 191.

[37] قد ذكرنا مبحثا خاصا بأهم أحشكام المرتدين فليراجعه من اراد الزيادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت