ذكرنا أن الجهاد فرض على الكفاية في أصل تشريعه، وذكرنا أن الكفاية تحصل بسد الغور على وجه يحفظ الإسلام وأهله، وأن يكون بالجند طاقة وقوة تردع المعاندين والخارجين والمحاربين.
وتحصل هذه الكفاية عمليا؛ بأن يخرج الإمام أو الأمير مع الجند، أو يُخرجهم مرة كل عام على الأقل، فإن دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك وكان بالمسلمين طاقة وجب، هذا هو الأصل، فإن لم يكن بالمسلمين طاقة على القتال مرة في العام على الأقل، أو رجا الإمام بعد مشورة أهل العلم والرأي أن المصلحة الغالبة تحتم الانتظار رجاء إسلام قوم بعينهم، أو عقد الإمام هدنة مع قوم ليتفرغ لغيرهم أو غير ذلك من المصالح الشرعية المعتبرة؛ جاز للإمام تأخير الغزو لذلك، وكل ذلك ورد في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي رحمه الله: (وجب عليه - أي إمام المسلمين - أن يدخل المسلمين بلاد المشركين في الأوقات التي لا يغرر بالمسلمين فيها ويرجو أن ينال الظفر من العدو، فإن كانت بالمسلمين قوة لم أر أن يأتي عليه عام إلا وله جيش أو غارة في بلاد المشركين الذي يلون المسلمين من كل ناحية عامة، وإن كان يمكنه في السنة بلا تغرير بالمسلمين أحببت له أن لا يدع ذلك كلما أمكنه، وأقل ما يجب عليه أن لا يأتي عليه عام إلا وله فيه غزو حتى لا يكون الجهاد معطلا في عام إلا من عذر، وإذا غزا عاما قابلا غزا بلدا غيره، ولا يتابع الغزو على بلد ويعطل من بلاد المشركين غيره، إلا أن يختلف حال أهل البلدان فيتابع الغزو على من يخاف نكايته، أو من يرجو غلبة المسلمين على بلاده، فيكون تتابعه على ذلك وعطل غيره بمعنى ليس في غيره مثله، وإنما قلت بما وصفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخل من حين فرض عليه الجهاد من أن غزا بنفسه أو غيره في عام من غزوة أو غزوتين أو سرايا، وقد كان يأتي عليه الوقت لا يغزو فيه ولا يسري سرية، وقد يمكنه، ولكنه يستجم ويجم له ويدعو ويظاهر الحجج على من دعاه) [13] اهـ.
وقال الشيرازي رحمه الله: (فإن دعت الحاجة في السنة إلى أكثر من مرة وجب لأنه فرض على الكفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه، فإن دعت الحاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين أو قلة ما يحتاج إليه من قتالهم من العدة أو للطمع في إسلامهم ونحو ذلك من الأعذار جاز تأخيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر قتال قريش بالهدنة وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة، ولأن ما يرجى من النفع بتأخيره أكثر مما يرجى من النفع بتقديمه وجب تأخيره) [14] اهـ.
وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: (أما بَعْدَه صلى الله عليه وسلم فللكفار حالان: أحدهما يكونون ببلادهم مستقرين بها غير قاصدين شيئًا من بلاد المسلمين، ففرض كفاية كما دل عليه سِيَرُ الخلفاء الراشدين وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع ... ) ، إلى أن قال: (أقل الجهاد مرة في السنة، كإحياء الكعبة، ولقوله تعالى: {أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} ، قال مجاهد: نزلت في الجهاد، ولفعله صلى الله عليه وسلم منذ أمر به، ولأن الجزية تجب بدلا عنه وهي واجبة في كل سنة فكذا بدلها، ولأنه فرض يتكرر، وأقل ما وجب المتكرر في كل سنة، كالزكاة والصوم ... ) ، إلى قوله: (ويحصل فرض الكفاية بأن يَشحن الإمام الثغور بمكافئين للكفار، مع إحكام الحصون والخنادق وتقليد الأمراء، أو بأن يدخل الإمام أو نائبه دار الكفر بالجيوش لقتالهم) [15] اهـ.
وقال ابن قدامة رحمه الله: (وأقل ما يفعل مرة في كل عام، لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل عن النصرة، فكذلك مبدلها وهو الجهاد، فيجب في كل عام مرة إلا من عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون ينتظر المدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع، أو ليس فيها علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام فيطمع في إسلامه إن أخر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى المصلحة معه في ترك القتال، فيجوز تركه بهدنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح قريشا عشر سنين وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده، وأخر قتال قبائل من العرب بغير هدنة، وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب ذلك، لأنه فرض كفاية فوجب منه ما دعت الحاجة إليه) [16] اهـ.
وقال القرطبي رحمه الله: (فرضٌ أيضًا على الإمام إغزاءُ طائفة إلى العدو كلَّ سنة مرة، يَخرج معهم بنفسه أو يُخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم ويَكفَّ أذاهم ويُظهرَ دين الله عليهم حتى يَدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يَدٍ) [17] اهـ.
وقال أشرف على التهانوي رحمه الله: (أجمعوا؛ على أنه إذا كان الكفار قارِّين في بلادهم فعلى الإمام أن لا يُخْلِيَ سنةً من السنين عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى لا يكون الجهادُ معطلًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لم يُهملوا الجهاد، فإذا قام به فئة من المسلمين بحيث يحصل بهم دفع شر الكفار وإعلاء كلمة الله سقَط عن الباقين، وحينئذ لا يجوز للعبد أن يخرج بغير إذن المولى، ولا للمرأة بغير إذن الزوج ولا للمديون بغير إذن الدائن، ولا للولد إذا منعه أحد أبويه؛ لأن بغيرهم مَقْنَعًا فلا ضرورة إلى إبطال حقوق العباد، وإن لم يَقم به أحد أَثِمَ جميع الناس إلاّ أولي الضرر منهم، وأجمعوا على أنه يجب على أهل كل قطر من الأرض أن يقاتلوا من يَلونهم من الكفار، فإن عجَزوا ساعَدَهم الأقرب فالأقرب، وكذلك إن تهاونوا مع القدرة يجب القيام به إلى الأقرب فالأقرب إلى منتهى الأرض كذا في المظهري [ج2/ص203] ، وإلى الله المشتكى من صنيع سلاطين أهل الإسلام في زماننا، حيث عطَّلوا الجهاد أبدًا وإنما يقومون به دفاعًا فقط، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبته: ما ترك قوم الجهاد إلاّ ذلوا، وأيم الله قد صدق) [18] اهـ.
[13] الأم: 4/ 168.
[14] تكملة المجموع: 19/ 266 - 267، راجع: إعانة الطالبين: 4/ 180.
[15] مغني المحتاج: 4/ 209 وما بعدها.
[16] المغني لابن قدامة: 9/ 163 - 164، راجع: تهذيب مشارع الأشواق: 35، تجنيد الأجناد لابن جَمَاعة: 38.
[17] تفسير القرطبي: 8/ 152.
[18] أحكام القرآن للتهانوي: 2/ 330.