الصفحة 6 من 9

وهذا لا خلاف فيه نعرفه بين العلماء قديمهم وحديثهم، إلا أن يكون عدد الكفار أكثر من ضعفي عدد المسلمين - على تفصيل يراجع في كتب الفقه والتفسير - قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) إلى قوله (واصبروا إن الله مع الصابرين} ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} ، فالفرار بغير سبب من هذه الأسباب المنصوص عليها في الآية؛ محرم وكبيرة من الكبائر.

لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال صلى الله عليه وسلم: (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) .

ولهذا قال تعالى: {فقد باء} ، أي رجع، {بغضب من الله ومأواه} أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده {جهنم وبئس المصير} .

قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: {زحفا} الزحف: الدنو قليلا قليلا وأصله الاندفاع على الألية ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا، والتزاحف: التداني والتقارب، يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار، وقد أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف ولا يتوجه عليه الوعيد، والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة ... ) .

إلى أن قال:(قال الجمهور: لا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الإنهزام والصبر أحسن، وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف منهم مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام، قلت: ووقع في تاريخ فتح الأندلس أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة فالتقى وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق وكان الفتح.

قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم، قال ابن القاسم: ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة"، فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية، قال القرطبي: رواه أبو بشر وأبو أسلمة العالمي وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف قالا: حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا أكثم بن الجون أغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفاقك، يا أكثم ابن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة" [22] ، وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله: هل له سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها؟ فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك) [23] اهـ.

وقال أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي رحمه الله: (روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة"، والمعنى في ذلك أن الله تعالى كان فرض أن لا يفر واحد من عشرة ثم خفف بأن لا يفر واحد من اثنين والنسخ عام في قليل الأعداد وكثيرها، ثم خص على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من العموم الاثنا عشر ألفا بما ذكرها به من أنه لا يغلب من قلة، وفرض عليهم أن لا يفروا ممن فوقهم، وهو قول محمد بن الحسن في سيره الكبير ولم يحك خلافا، وعليه حمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جماعة من أهل العلم منهم ابن شبرمة، إلا أنه جعل ذلك مطلقا في قليل الأعداد وكثيرها، وعن مالك ما يدل على أن الإثنى عشر ألفا مخصوصة من ذلك، فإنه روى أن عبد الله العمري العابد جاء إليه فقال: قد ترى هذه الأحكام التي نزلت أفيسعنا التخلف عن مجاهدة من بدلها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك، وإن لم يكن معك فأنت في سعة من التخلف، وهذا جواب حسن أخذه من هذا الحديث، والله أعلم) [24] اهـ.

[22] هذا الحديث رواه أحمد في مسنده قال: حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت يونس يحدث عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربع مئة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة) ، ورواه أبو داود وأبو يعلى والترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب جدا لا يسنده جرير بن حازم وإنما روى عن الزهري عن النبي مرسلا، وقد رواه ابن ماجة والبيهقي وغيره عن أكثم بن الجون عن رسول الله، وقد رواه ابن خزيمة في باب استحباب مصاحبة الأربعة في السفر من طريق وهب بن جرير عن بن عباس بلفظ (ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة) ، ورواه ابن حبان في باب ذكر الإخبار عن وصف خير الجيوش والصحابة بنفس السند والمتن، والحديث عند الحاكم عن وهب بن جرير بنفس السند والمتن عن بن عباس، ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه والخلاف فيه على الزهري من أربعة أوجه قد شرحتها في كتاب التلخيص، والحديث رواه عبد بن حميد في مسنده وأورده الهيثمي في موارد الظمآن في باب في خير الجيوش والسرايا والترمذي في باب ما جاء في السرايا بلفظ: (ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة) ، ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا يسنده كبير جرير بن حازم وإنما روي هذا عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وقد رواه حبان بن علي العنزي عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس عن النبي، ورواه الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن النبي مرسلا، والحديث رواه ابن ماجة أيضا في باب السرايا وأورده الكناني في مصباح الزجاجة في باب السرايا قال: حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الملك محمد الصنعاني ثنا أبو سلمة العاملي عن ابن شهاب عن أنس بن مالك بنفس اللفظ الذي ذكره القرطبي ثم قال الكناني: هذا إسناد ضعيف لضعف أبي سلمة العاملي الأزدي وعبد الملك بن محمد الصنعاني، ورواه ابن أبي عاصم وابن فاختة من طريق الزهري عن أنس وله شاهد من حديث ابن عباس رواه ابن حبان في صحيحه وأبي داود والترمذي وقال: حسن غريب انتهى، ورواه الطبراني بنفس السند ولكن بلفظ: (ولن يولي اثنا عشر ألفا من قلة) ، وهذا المتن أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية عن أبي سلمة بلفظ: (ولن يؤتى إثنا عشر ألفا من قلة) ، قال ابن الجوزي: أبو سلمة هو الحكم بن عبد الله بن خطاف وأبو بشر هو الوليد بن محمد الموقري وكلاهما ليس بشيء، قال الدارقطني: كان الحكم يضع الحديث وقال: يحيى الموقري كذاب، ورواه القضاعي في مسند الشهاب من طريق آخر عن أبي الحسن علي بن الحسن الشافعي أبنا هشام بن أبي خليفة الرعيني ثنا أبو جعفر الطحاوي ثنا فهد بن سليمان ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا مندل وحبان عن يونس بن يزيد عن عقيل عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة) ، وللحديث رواية عند البيهقي في باب ما يستحب من الجيوش من طريق وهب بن جرير أيضا وقال بعد روايته: تفرد به جرير بن حازم موصلا، ورواه عثمان بن عمر عن يونس عن عقيل عن الزهري عن النبي منقطعا، وقال أبو داود بعد روايته للحديث: أسنده جرير بن حازم وهو خطأ والصحيح أنه مرسل، قال المناوي في فيض القدير: قال الترمذي حسن غريب ولم يصححه لأنه يروى مسندا ومرسلا ومعضلا، قال ابن القطان: لكن هذا ليس بعلة فالأقرب صحته. انتهى، وللحديث رواية ذكرها القضاعي في مسند الشهاب قال: أنا محمد بن أحمد الأصبهاني نا الحسن بن علي السقطي وذو النون بن محمد الصائغ قالا نا أبو أحمد العسكري نا عبد الله بن محمد بن عبدان نا محمد بن سليمان لوين نا حبان بن علي نا عقيل عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولن يهزم اثنا عشر ألفا من قلة إذا صبروا وصدقوا) ، فالأقرب اعتماد الحديث لوروده من طرق يقوي بعضها بعضا، والله تعالى أعلم.

[23] تفسير القرطبي: 7/ 380 - 382، راجع في تفسير الآية: تفسير الطبري: 9/ 200 وما بعدها، تفسير ابن كثير: 2/ 295296، تفسير أبي السعود: 4/ 12، فتح القدير: 2/ 295.

[24] معتصر المختصر: 1/ 206، راجع فيض القدير للمناوي: 3/ 474، شرح مسلم للنووي: 1/ 430.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت