أما جهاد الدفع؛ فقد دل على وجوبه كثير من الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع:
ومن هذه الأدلة قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ، وقوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} ، إلى قوله: {واصبروا إن الله مع الصابرين} ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [19] .
فالفرار بغير سبب من هذه الأسباب المنصوص عليها في الآية محرم وكبيرة من الكبائر.
لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال صلى الله عليه وسلم: (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) [20] .
ولهذا قال تعالى: {فقد باء} ، أي رجع، {بغضب من الله ومأواه} ، أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده، {جهنم وبئس المصير} [21] .
وهناك بعض الحالات يلزم على كل من حضرها أو استطاع المشاركة فيها أن يتقدم لها ولا يجوز بحال الانصراف أو القعود أو التخلف عنها، إذ إن مباشرة القتال حينئذ يصير فرض عين على كل مستطيع له، ولا يشترط للقيام به الحرية ولا إذن الوالدين أو الغريم أو وجود الزاد والراحلة كما في فرض الكفاية، بل يجب الدفع في هذه الحالات كيفما أمكن.
[19] راجع المغني: 9/ 163، والآية من سورة الأنفال: 15 - 16.
[20] رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والبيهقي.
[21] راجع في تفسير هذه الآية: تفسير الطبري: 9/ 200 وما بعدها، تفسير القرطبي: 7/ 380 - 382، تفسير ابن كثير: 2/ 295 - 296، تفسير أبي السعود: 4/ 12، فتح القدير: 2/ 295، شرح مسلم للنووي: 1/ 430، زاد المعاد: 3/ 211.