الصفحة 64 من 66

إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره.

وهذا الإمام الشعبي رحمه الله يختفي ثمانية أشهر من المختار بن عبيد، فقد ذكر الذهبي رحمه الله في السير: أن الشعبي رحمه الله أقام في المدينة ثمانية أشهر هاربا من المختار بن عبيد.

وذكر الذهبي رحمه الله أيضا أن الحسن البصري رحمه الله ظل متواريًا من الحجاج لدرجة أن ابنةً له ماتت فلم يقدر على الخروج لتشييع جنازتها فأناب ابن سيرين بذلك (فعن ثابت البناني قال: كان الحسن متواريًا من الحجاج فماتت بنتٌ له فبادرتُ إليه رجاءَ أنْ يقول لي صلِّ عليها فبكى حتى ارتفع نحيبه ثم قال لي: اذهب إلى محمد بن سيرين فقل له ليصلِّ عليها فعرفَ حين جاء الحقائق أنه لا يعدل بابن سيرين أحدًا) .

وقال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: (روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه أنه أخبر بموت الحجاج مرارًا فلما تحقق وفاته قال:(فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) وروى غير واحد: أن الحسن لما بُشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى وكان مختفيًا فظهر وقال اللهم أمته فأذهب عنا سنته

وهذا سفيان الثوري رحمه الله يفر من الخليفة العباسي المهدي فقد ذكر الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء قال: لما استخلف المهدي بعث إلى سفيان الثوري، فلما دخل عليه خلع خاتمه فرمى به إليه وقال: يا أبا عبد الله هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين قلت لعطاء قال له: يا أمير المؤمنين قال: نعم قال: أتكلم على أني آمن قال: نعم قال: لا تبعث إلي حتى آتيك ولا تعطني حتى أسألك قال: فغضب وهمَّ به فقال له كاتبه: أليس قد أمّّنْتَه قال: بلى فلما خرج حف به أصحابه فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة فاستصغر عقولهم وخرج هاربًا إلى البصرة.

وقال الذهبي رحمه الله: قال محمد بن سعد: طُلب سفيان فخرج إلى مكة فنفذ المهدي إلى محمد بن إبراهيم وهو على مكة في طلبه فأعلم سفيان بذلك وقال له محمد: إن كنت تريد إتيان القوم فاظهر حتى أبعث بك إليهم وإلا فتوار قال: فتوارى سفيان وطلبه محمد وأمر مناديًا فنادى بمكة من جاء بسفيان فله كذا وكذا فلم يزل متواريا بمكة لا يظهر لأهل العلم ومن لا يخافه

وهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق

فقد جاء في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي رحمه الله أن أحمد بن حنبل رحمه الله حين صدع بعقيدته في مسألة خلق القرآن أيام الخليفة الواثق وابتلي في ذلك بلاء عظيمًا قرر الاختفاء حتى مات الواثق قال إبراهيم بن هاني: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام ... ثم قال أطلب لي موضعًا حتى أتحول إليه. قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله، فقال: افعل فإذا فعلت أفدتك، وطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ثم تحول، ليس ينبغي أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في الرخاء ويترك في الشدة.

وفي رواية حنبل في شأن اختفاء الإمام أحمد في حياة الواثق قال: فلم يزل أبو عبد الله مختفيًا في القرب، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر أو سنة لما طُفئ خبره ولم يزل في البيت مختفيًا لا يخرج إلى الصلاة ولا غيرها حتى هلك الواثق.

وقال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق وكانت تلك الفتنة وقتل أحمد بن نصر الخزاعي ولم يزل أبو عبد الله مختفيا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق.

فهذه سيرة الأنبياء وأصحابهم وحوارييهم والأئمة من بعدهم جيلا بعد جيل تدل على مشروعية الفرار من الحكام والطواغيت الظلمة ولم نر منهم من سلم نفسه لمن أراد ظلمه وفتنته، وفي هذا كفاية على أن الفرار من الحاكم الطالم - ولو كان مسلما - عمل مشروع وسنة من سنن الصالحين، وأن خلاف ذلك خلاف سنة الأنبياء والصالحين من بعدهم.

9 -ومن مقاصد الجهاد: رفع الإكراه المادي والمعنوي والظلم عن المستضعفين، وهذا أيضا من المقاصد التي هدف إليها الشرع الكريم في تشريع أحكام الجهاد، فإن المسلمين أمة واحدة على من سواهم قال تعالى (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواجد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) [1] ، وقد قال

(1) ذكرنا في المبحث الخاص بحالات تعين الجهاد الحالات التي يجب فيها على كل مسلم نصرة إخوانه المسلمين الذين أغار العدو على بلادهم ولا يستطيعون دفعه، وأن الواجب على من جاورهم أن ينفر إليهم وأن يغيثهم بكل ما يستطيع ويتسع هذا الواجب - إن لم يكف من جاورهم - حتى يعم مسلمي الأرض كلها فليرجع إليه من شاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت