الصفحة 43 من 66

فلقوا رجلا منهم يدعى مرداس بن نهيك معه غنيمة له وجمل أحمر فلما رآهم أوى إلى كهف جبل واتبعه أسامة فلما بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه ثم أقبل إليهم فقال السلام عليكم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فشد عليه أسامة فقتله من أجل جمله وغنيمته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا ويسأل عنه أصحابه، فلما رجعوا لم يسألهم عنه فجعل القوم يحدثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله لو رأيت أسامة ولقيه رجل فقال الرجل لا إله إلا الله محمد رسول الله فشد عليه فقتله وهو معرض عنهم، فلما أكثروا عليه رفع رأسه إلى أسامة فقال (كيف أنت ولا إله إلا الله) ، قال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا تعوذ بها، فقال له رسول الله (هلا شققت عن قلبه فنظرت إليه) ، قال: يا رسول الله إنما قلبه بضعة من جسده، فأنزل الله عز وجل خبر هذا وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول (تبتغون عرض الحياة الدنيا) فلما بلغ (فمن الله عليكم) يقول فتاب الله عليكم، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل وما لقي من رسول الله فيه. اه [1]

وقال الجصاص رحمه الله بعد أن ذكر الروايات في سبب نزول الآية: وقال أبو عبيدة: جعل الله تعالى هذه الكلمة أمنة المسلم وعصمة ماله ودمه، وجعل الجزية أمنة الكافر وعصمة ماله ودمه ... إلى أن قال: فحكم الله تعالى بصحة إيمان من أظهر الإسلام، وأمرنا بإجرائه على أحكام المسلمين وإن كان في المغيب على خلافه. اه [2]

وقال القرطبي رحمه الله: والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز قتله، فإن قال لا إله إلا الله لم يجز قتله لأنه اعتصم بعصام الإسلام المانع من قتله، فإن قتله بعد ذلك قُتِل به، وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأولوا أنه قالها تعوذا وخوفا من السلاح وأن العاصم قولها مطمئنا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عاصم كيفما قالها.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟) أخرجه مسلم، أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب، وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه، وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظان والظواهر، لا على القطع واطلاع السرائر. اه [3]

(1) راجع تفسير الطبري ج5/ 221 - 227

(2) أحكام القرآن للجصاص ج1/ 246247، راجع أحكام القرآن لابن العربي ج 1/ 480 - 481.

(3) تفسير القرطبي، ج 5/ 338.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت