ترك الكفر والدخول في دين الإسلام لأنه يبصركم ويبصر أعمالكم، والأشياء كلها متجلية له لا تغيب عنه ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، وقد قال بعضهم معنى ذلك فإن انتهوا عن القتال، والذي قلنا في ذلك أولى بالصواب، لأن المشركين وإن انتهوا عن القتال فإنه كان فرضا على المؤمنين قتالهم حتى يسلموا. [1]
وقال الجصاص رحمه الله: قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس الفتنة هاهنا الشرك، وقيل إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما يؤدي إليه الفتنة، وقيل إن الفتنة هي الاختبار والكفر عند الاختبار إظهار الفساد.
وأما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة وأصله في اللغة ينقسم إلى معنيين، أحدهما: الانقياد، والآخر: العادة، والشرعي هو: الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة والعادة، وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب لأن ابتداء الخطاب جرى بذكرهم. [2]
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من غايات القتال العظمى - كما ذكر الله تعالى في كتابه - هو أن ينتهي الناس عن عبادة غير الله تعالى ويخلصوا دينهم لله وحده ويخلعوا ما كانوا يعبدون من أنداد وهذا هو معنى الشهادتين التي بعث النبي من أجل تحقيقها والتي كان يقاتل عليها النبي من امتنع عنها من أهل الشرك، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله) [3] ، وعن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) [4] ، وعن النعمان بن بشير قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فساره فقال (اقتلوه) ثم قال (أيشهد أن لا إله إلا الله) قال الرجل: نعم ولكنه يقولها تعوذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقتلوه فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها
(1) تفسير الطبري ج9/ 248: 250
(2) أحكام القرآن للجصاص ج1/ 324، راجع ج4/ 229، فتح القدير للشوكاني ج2/ 351.
(3) سبق نخريجه.
(4) رواه بهذا اللفظ مسلم وأحمد وابن حبان والطبراني والبزار