فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 31

قال الإمام سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان.

فوضعوا لي الرصد حول البيت, فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه، قال لي: لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا إليه، وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه.

فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟

قال: لا أدري, لي أمناء ووكلاء.

قلت: فما عذرك غذا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه: (كم أنفقت في سفرنا هذا؟) ، قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا، فقال: (ويحك! أجحفنا بيت مال المسلمين) ، وقد علمت ما حذثنا به منصور عن الأسود بن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ربّ متخوّض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه، له النار غدا) .

فيقول أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟!

فيجيبه سفيان بقوة المؤمن وعزة المسلم: اسكت, انما أهلك فرعون؛ هامان وهامان؛ فرعون.

[المسند للأستاذ أحمد شاكر، ج1، وفيات الأعيان: ج2/ص387]

وهذا موقف ثان له ...

في يوم قال الخليفة المهدي للخيزران: أريد أن أتزوج.

فقالت له: لا يحلّ لك أن تتزوج عليّ.

قال: بلى!

قالت له: بيني وبينك من شئت.

قال: أترضين سفيان الثوري؟

قالت: نعم.

فوجه إلى سفيان، فقال: انّ أم الرشيد تزعم أنه لا يحل لي أن أتزوج عليها، وقد قال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ، ثم سكت.

فقال له سفيان: أتم الآية! - يريد قوله تعالى: {فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة} - وأنت لا تعدل.

فأمرله بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها.

[وفيات الأعيان: ج2/ص389]

وهذا موقف ثالث له ...

قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي وأتى سفيان الثوري - كبير علماء المسلمين في عصره - فلما دخل عليه سلّم ولم يسلّم بالخلافة, والربيع قائم على رأسه متكئ على سيفه يرقب أمره.

فأقبل عليه المهدي بوجه طلق, وقال له: يا سفيان انظر هاهنا وهاهنا, أو تظن أن لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟! فقد قدرنا عليك الآن, أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟

قال سفيان: ان تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر، يفرق بين الحق والباطل.

فقال الربيع له: يا أمير المؤمنين! ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ أتأذن لي أن أضرب عنقه؟

فقال له المهدي: اسكت! ويلك, وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى لسعادتهم! اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم.

فكتب عهده ورفعه إليه, فأخذه وخرج ورمى به في دجلة وغاب عن أنظار الناس, فطلب في كل بلد فلم يوجد، فتولى القضاء مكانه شريك النخعي.

[تذكرة الحفاظ: ج1/ص160, وفيات الأعيان: ج2/ص390]

وهذا موقف رابع له ...

دخل على أبي جعفر المنصور, العالم الجليل سفيان الثوري, وسأله أن يرفع إليه حاجته.

فأجابه: اتق الله، فقد ملأت الأرض ظلما وجورا.

فطأطأ المنصور رأسه ثم أعاد السؤال عليه.

فأجابه: انما نزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار, وأبناؤهم يموتون جوعا, فاتق الله وأوصل اليهم حقوقهم.

فطأطأ المنصور شاكرا، ثم كرّر السؤال, ولكن سفيان تركه وانصرف.

[الاحياء: ج5/ص120]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت