حينما تكون الأمة منصاعة للأعداء، مؤتمرة بأوامرهم ومنتهية عن نواهيهم، يكون هناك الرضا والود التامين من قبلهم {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة: 120) ، ذلك ما كنا نلحظه في العقود السابقة، حيث كان يبدو لنا هذا العدو حميمًا ووديعًا (شعوبًا وحكومات) ، وكان الكثير منا يعتبره قدوة ومثلًا أعلى في الأخلاق والتعامل، لكن وجهًا قبيحا وخبيثًا كان يتوارى وراء هذه الهالة المزيفة، وبمجرد أن بدأنا نعصي أوامره ونحاول أن نفكر بعقولنا ونحدد مصائرنا بأيدينا ونعود إلى ديننا، بدأ يظهر هذا الوجه الحقيقي، وبرزت مخالبه ليعيدنا إلى حظيرة عبوديته وتبعيته، نبقى دومًا في موقف المنتظر لرحمته وعفوه وكرمه، وحينما قررنا الكفر به وبقوانينه، وبدأنا العزم في الإعداد لمقاومته ومحاولة طرده من أراضينا ومحاولة استرجاع حقوقنا والدفاع عن ديننا، رأينا ردود فعله شرسة إلى أقصى حد، ولم يستطع أن يصبر على تضييع هذه المكاسب، فبادر إلى استعمال كل أساليب البطش والمكر والتنكيل المتوفرة لديه {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} (التوبة: 8) .
خاصة بعدما قامت إمارة الإسلام في أفغانستان، وتحدَّت معالم الكفر وتعاليمه، رأينا كيف ساهم الصليبيون واليهود في ضرب هذه الإمارة الفتية بكل قوة وهمجية، يقودهم فرعون العصر"أمريكا"، وكيف نكلوا بالمجاهدين وأنصارهم في عقر ديار هذه الإمارة وفي عقر ديار هؤلاء الأنصار، وبعدها سارعوا إلى ضرب حصار محكم ومتواصل على المجاهدين في كل مكان، ثم سجنوا من سقط في أيديهم بغير تهمة سوى الانتماء إلى معسكر الإيمان (الذي سموه بالإرهاب) ، فلقي المؤمنون على أيدي هؤلاء الصليبيين وأحلافهم اليهود في فلسطين وفي كل بلاد الصليب أشد أنواع التعذيب والتنكيل، أمثال ما يلقاه المجاهدون في بلدانهم الأصلية على أيدي الأنظمة المرتدة. واختفت كل الشعارات الزائفة المتعلقة بما سمَّوه"بحقوق الإنسان"،كما خفتت أصوات كل المنظمات الحقوقية التي تدافع عن حقوق إنسانهم وغضت الطرف عما يعانيه مجاهدونا وأطفالنا ونسائنا وشيوخنا من تعذيب وتشريد وتقتيل وكأننا - في نظرهم - جراثيم ينبغي أن تزول من الوجود.
من يطّلع على حالة الحقد الدفين الذي يكنونه لنا، يدرك حقيقتهم، ويدرك بالتالي كم كنا مغبونين ومخدوعين في هؤلاء الكفار، {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ} .
ألم نر آلاف الأطنان من القنابل المحرمة (وفيها اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض) التي سقطت على بلاد الرافدين منذ عقد من الزمن - ولا تزال - ثم على الإمارة الإسلامية مؤخرًا، ثم في على الشعب المسلم في غزة ولا زالت الأرض والإنسان والنبات والحيوان يعانون من نتائج هذا القصف العشوائي المشين والبغيض؟!