انتابته شوائب كثيرة، وكان الناس يحصرونه في جانبه الدفاعي فقط، ناسخين لمفهوم جهاد الطلب، طلب العدو في عقر داره أو في عقر قواعده العسكرية بالتحديد.
أو إحياء التعامل بالمثل مع هذا العدو، سواء بالتهديد أو بالمباشرة الفعلية، سواء في استهداف ما يسمى بالمدنيين أو بهدم مؤسساته وبنياته التحتية، أو بحرق ونسف موارده المعيشية، وهي أساليب مهجورة، لها أصول شرعية في شرعنا الحنيف [1] ، هجرها المسلمون وتوقفوا عن العمل بها بسبب ما دخل على ديننا من شوائب وهجمات صليبية يهودية منذ عقود من الزمن، حاولوا فيها طمس معالم هذه الفريضة المقدسة، وتغييبها من عقول المسلمين، لكي يتسنى لهم امتلاكنا والسيطرة علينا حينئذ.
رابعًا: كسر حواجز الخوف والتهيب لمواجهة مخططات الأعداء، وهي العقبة الكبرى التي ظلت لعقود من الزمن تكبل طاقات المسلمين، وتجعلهم يظلون في موقع الانهزام وانتظار رحمة العدو.
فكانت هذه الحرب الصليبية الجديدة فرصة لتجاوز هذه العقبة بنجاح كبير، والتحرر من قيد الضعف والهزيمة، وذلك بفضل ضربات قاعدة الجهاد الأخيرة، التي عبَّدت الطريق لباقي المجاهدين في العالم، وبيّنت لهم أن هذا العدو الغاشم أضعف مما نتصور.
فاستطاع جيل الجهاد والاستشهاد أن يحيي المفهوم الصحيح للجهاد في الإسلام، الموافق لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الآن نغزوهم ولا يغزوننا" (الحديث) ، أو كما جاء في كتاب الله تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: 23) .
فرأينا كيف انقلبت معادلة الصراع بيننا وبينهم، وصاروا يترقبون ضربات وهجمات المجاهدين في كل حين، فانقلبت حياتهم إلى جحيم لا يُطاق، وقذف الله في قلوبهم الرعب، مما أدى إلى إرباك حساباتهم وإضعاف استراتيجية هجومهم، وضيعوا جهودهم وأموالهم في إيجاد وسائل للدفاع بدلًا من تطوير وسائل الهجوم، فتحقق بفضل الله تعالى للمسلمين شيء مما كانوا يتمنونه، وهو إرعاب العدو وإرهابه في عقر داره، وتحويل ديار هذا الأخير إلى ساحة للمعركة بدلًا من أن تظل بلداننا هي وحدها أرض لها.
(1) انظر بتفصيل تأصيل هذه المسألة في كتاب"حقيقة الحرب الصليبية الجديدة"لكاتبه (الشيخ الشهيد يوسف العبيري رحمه الله) .