والثانية: لا يجوز؛ لأن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة لصاحبه، فلم يكن صداقًا، كتعليم الإيمان. وقد روى النجاد بإسناده «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوّج رجلًا على سورة من القرآن، ثم قال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا» فإن قلنا بجوازه، فأصدقها تعليم بعض القرآن، فمن شرطه تعيين ذلك البعض؛ لأن التعليم والمقاصد تختلف باختلافه. وذكر أبو الخطاب وابن عقيل أنه إن كان في البلد قراءات افتقر إلى تعيين أحدها؛ لأن حروف القرآن تختلف، فأشبه تعيين الآيات، والصحيح أنه لا يفتقر إليه؛ لأنه اختلاف يسير، وكل حرف ينوب مناب صاحبه، فأشبه ما لو أصدقها قفيزًا من صبرة.
فصل:
ويصح أن يكون الصداق معجلًا ومؤجلًا. فإن أطلق ذكره كان حالًا؛ لأنه عوض في عقد معاوضة أشبه الثمن، فإن شرطه مؤجلًا إلى مدة معلومة، فهي إلى أجله. وإن لم يذكر أجله فقال أبو الخطاب: لا يصح، ولها مهر المثل قياسًا على الثمن في المبيع. وقال القاضي: يصح، وهو ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال: إذا تزوج على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة؛ لأن الصداق يجوز أن يكون مجهولًا فيما إذا تزوجها على مهر المثل، فالتأجيل التابع له أولى، فعلى هذا محل الآجل الفرقة بموت أو غيره؛ لأن المطلق يحمل على العرف، والعادة في الآجل تركه إلى الفرقة، فحمل عند الإطلاق عليه.
فصل:
وإذا تزوجها على صداقين، سر وعلانية، فقال الخرقي: يؤخذ بالعلانية؛ لأن الزائد على صداق السر زيادة زادها في الصداق، وإلحاق الزيادة بالصداق جائزة. وقال القاضي: الواجب مهر العقد الذي انعقد به النكاح، سرًا كان أو علانية؛ لأنه الذي انعقد به النكاح، فكان الواجب المسمى فيه، كما لو انفرد.
فصل:
وإلحاق الزيادة بالصداق جائزة، فإن زادها في صداقها شيئًا بعد انبرام العقد جاز، وكان الجميع صداقًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] .