منها في هذه الدعوى. وله استئناف الدعوى، والطلب باليمين فيها؛ لأن حقه لم يسقط بالإبراء من اليمين. وهذه الدعوى غير التي أبرأه من اليمين فيها. فإذا حلف سقطت الدعوى، لما روى وائل بن حجر: «أن رجلًا من حضرموت ورجلًا من كندة أتيا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي وفي يدي لا حق له فيها، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من شيء، فقال: ليس لك إلا ذلك.» رواه مسلم بمعناه.
فإن امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه، فإن بدا فقال: أريد أن أنظر في حسابي، أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة، ولا يمهل أكثر منها؛ لأنه كثير. وقال أبو الخطاب: لا يمهل لأن الحق توجه عليه حالًا، فلا يمهل به، كالمال. وإن لم يذكر عذرًا لامتناعه، قال له الحاكم: إن حلفت وإلا جعلتك ناكلًا وقضيت عليك، ويكرر ذلك عليه ثلاثًا، فإن حلف، وإلا حكم عليه، لما روى أحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا، فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالمًا بعيبه، فأنكر ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان، فقال له عثمان: احلف أنك ما علمت به عيبًا، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد؛ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اليمين على المدعى عليه» فحصرها في جنبته، فلم يشرع لغيره. واختار أبو الخطاب أنه لا يحكم بالنكول، ولكن ترد اليمين على خصمه، وقال: قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق، فيقول الحاكم لخصمه: أتحلف وتستحق؟ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد اليمين على صاحب الحق» . رواه الدارقطني. وروي أن المقداد اقترض من عثمان مالًا، فتحاكما إلى عمر، فقال عثمان: هو سبعة آلاف، وقال المقداد: هو أربعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف، فقال عمر: أنصفك. فإن حلف المدعي حكم له، وإن نكل سئل عن سبب نكوله؛ لأنه لا يجب بنكوله لغيره حق، بخلاف المدعى عليه. فإن قال: امتنعت؛ لأن لي بينة أقيمها، أو حسابًا أنظر فيه، فهو على حقه من اليمين، ولا يضيق عليه في المدة؛ لأنه لا يتأخر بتركه إلا حقه، بخلاف المدعى عليه. فإن قال: لا أريد أن أحلف، فهو ناكل. فإن عاد فبذل اليمين، لم تسمع منه في هذه الدعوى؛ لأنه أسقط حقه منها. فإن عاد في مجلس آخر، واستأنف الدعوى، أعيد الحكم بينهما، كالأول. فإن بذل اليمين هاهنا حكم بها؛ لأنها يمين في دعوى أخرى.