وإن حلف: لا يهبه، فتصدق عليه تطوعًا، لم يحنث عند أبي الخطاب كذلك. وقال القاضي: يحنث؛ لأنه تبرع بعين في حياته، أشبه ما لو أهدى إليه، والصدقة نوع من الهبة فتتناولها يمين الحالف على الهبة، ولم تدخل الهبة في يمين الحالف على الصدقة، ولا يحنث بالصدقة الواجبة، وجهًا واحدًا؛ لأنه ليس بتبرع.
وإن أهدى إليه، أو أعمره، حنث؛ لأنه هبة. وإن وصى له، لم يحنث؛ لأن الملك إنما يثبت بعد انحلال اليمين بالموت. وإن أعاره، لم يحنث؛ لأنها لا تسمى هبة؛ ولأن الهبة تمليك الأعيان. وقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأنها هبة المنافع. وإن حاباه في البيع لم يحنث، لما ذكرنا في العارية. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر؛ أنه يحنث؛ لأنه تبرع عليه. وإن وقف عليه، ابتنى على ملك الموقوف عليه. وإن قلنا: يملك، حنث. وإلا، فلا. وقال أبو الخطاب. يحنث؛ لأنه تبرع عليه، ويحتمل أن لا يحنث بحال؛ لأنه لا يسمى هبة.
فصل:
القسم الثالث: ما له موضوع لغوي، لم يغلب استعماله في غيره، فتتناوله يمينه، مثل أن يحلف: لا يأكل لبنًا، فيحنث بأكل ما يسمى لبنًا، حليبًا كان أو مخيضًا، مائعًا أو جامدًا. ولا يحنث بأكل الخبز، والزبد والسمن والأقط والكشك؛ لأنه لا يسمى لبنًا.
وإن حلف على الزبد، لم تتناول يمينه سمنًا ولا لبنًا لم يظهر زبده. فإن ظهر زبده تناولته يمينه، وإن حلف على السمن، لم تتناول يمينه زبدًا ولا لبنًا، ويحنث بأكل ما حلف عليه مفردًا، وفي طبيخ يظهر طعمه فيه؛ لأنه أكل المحلوف عليه وغيره، وإن لم يظهر طعمه في الطبيخ لم يحنث بأكله؛ لأنه زال اسمه وطعمه، فلم يحنث بأكله، كالكشك. وإن حلف لا يأكل حنطة، فأكلها خبزًا، أو طبيخًا، حنث؛ لأن الحنطة لا تؤكل حبًا عادة، فانصرفت يمينه إلى أكلها في جميع أحوالها، وإن أكل شعيرًا فيه حبات حنطة، ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه أكل حنطة، فأشبه ما لو حلف لا يأكل رطبًا، فأكل منصفًا.
والثاني: لا يحنث؛ لأنها مستهلكة في الشعير، أشبه السمن في الخبيص.
فصل:
وإن حلف لا يأكل فاكهة، تناولت يمينه كل ثمرة مأكولة تخرج من الشجر، كالعنب، والزبيب، والرطب، والتمر، والجوز، واللوز؛ لأنه يسمى فاكهة، ولا تتناول