واستدلال ابن الخبّاز بهذه الآية فيه نظر؛ لأن المفسرين لهم في كلمة (حين) في هذه الآية قولان: الأوّل: إنّها طائفة من الزمن الطويل الممتد، ولا يعرف مقداره. والثاني: إنّها مقدّرة بالأربعين [1] . والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال [2] .
سادسًا: التأثر بالمنطق:
يظهر هذا التأثر جليًا من خلال أقوال وعبارات كان يردّدها ويستدلّ بها، من ذلك قوله في باب الفاعل: (( وليس للفعل بدّ من الفاعل لوجهين: أحدهما: أن الفعل حديث، والحديث عن غير محدث عنه معدوم الفائدة ... ) ) [3] .
وجاء في باب (المفعول المطلق ) ): (( وقوله:(أعلم أنّ المصدر كلّ اسم دلّ على حَدَثٍ وزمان مجهول) ، الحدث: اسم لجميع الأعراض القائمة بالجواهر إمّا قيامًا ذهنيًا كالإضافيّات، وإمّا قيامًا خارجيًا كالألوان، وسميت بذلك لأنها حادثة متجددة )) [4] .
من المعلوم أن الشيء له أربعة وجودات: الوجود العيني والوجود الذهني والوجود اللفظي والوجود الخطي، فمثلًا الجبل متصف بالوجود خارج الذهن، واتصافه بالوجود في الذهن، واسمه في اللفظ، وصورته في الخط [5] .
وثمّة عرض وجوهر، والعرض ضد الجوهر؛ لأنّ الجوهر هو ما يقوم بذاته، ولا يفتقر إلى غيره ليقوم به، على حين أن العرض هو الذي يفتقر إلى غيره ليقوم به، فمثلًا الجسم جوهر يقوم بذاته، أما اللون فهو عرض لأنه لا قيام له إلا بالجسم، وكل ما يعرض في الجوهر من لون وطعم وذوق ولمس وغيره فهو عرض [6] .
ومن هذا الكلام يتضح لنا معنى قول ابن الخبّاز: (( الحدث: اسم لجميع الأعراض القائمة بالجواهر إمّا قيامًا ذهنيًا كالإضافيات، وإما قيامًا خارجيًا كالألوان، وسميت بذلك؛ لانَّها حادثة متجددة ) ).
(1) ينظر: التفسير الكبير: مج 15/ 208، وتفسير القُرطبي: 19/ 78، وتفسير البيضاوي: مج4/ 356.
(2) ينظر: الاقتراح: 76.
(3) التوجيه: 121.
(4) التوجيه: 166.
(5) ينظر: الحروف (للفارابي) : 63، وكشاف اصطلاحات الفنون: 3/ 1457.
(6) ينظر: الحروف (للفارابي) : 45، 49، والتعريفات: 86، 49، والمنطق (للمظفر) : 74 - 75.