اختلف مع ابن الخبّاز في اختياره المذهب البصريّ؛ لأنّ وجهة النّظر الكوفية تنطلق من مفهوم وظيفيّ ودلالي لتفسير الحركة الإعرابية طبقًا لتنوع الدّلالة والوظيفة التي يؤديها الفعل في سياقات مختلفة [1] ، ثمّ إنّ المذهبَ الكوفيّ أيسر وأبعد عن التقدير، وعدم التّقدير أولى من التّقدير.
8 - (نعم) و (بئس) أفعلان أم اسمان؟.
ذهب الكوفيون إلى أن (( نِعْم وبئْس ) )اسمان، وذهب البصريون إلى أنَّهما فعلان، وقد تابع الكسائيّ (ت189هـ) البصريين على مذهبهم [2] .
وقد صرّح الفرّاء (ت207هـ) بأنّهما ليسا فعلين، إذ قال: (( والعرب توحّد نعم وبئس وإن كانتا بعد الأسماء فيقولون: أمّا قومك فنعِمُوا قومًا، ونعم قومًا، وكذلك بئس: وإنما جاز توحيدهما لأنَّهما ليستا بفعل يلتمس معناه، إنما أدخلوهما لتدلا على المدح والذمّ ألا ترى أن لفظهما لفظ(فَعَل) وليسا معناهما كذلك )) [3] .
وعرض ابن الخبّاز للخلاف بين الفريقين، وذكر أن البصريين احتجوا على مذهبهم من وجهين:
أحدهما: اتّصال تاء التّأنيث بهما على حدّ اتّصالها بالفعل، وفي الحديث [4] : {من توضَّأ يوم الجُمعَةِ فبها ونِعْمَتْ} [5] . قال ابن الورّاق (ت381هـ) : (( فلو كانا اسمين
(1) ينظر: عامل النّصب على الخلاف عند الكوفيين (بحث) : 8 - 9.
(2) ينظر: معاني القرآن للفرّاء: 2/ 141، والمقتضب: 2/ 140، وعلل النّحو: 387 - 388، والإنصاف (م14) : 86 - 104، والتّبيين (م40) : 274 - 281، وشرح الكافية الشّافية لابن مالك: 2/ 1102 - 1103، وائتلاف النّصرة (4) : 115.
(3) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 141.
(4) الحديث في سنن أبن ماجة: 178.
(5) ينظر: التّوجيه: 389، وشرح اللّمع للواسطيّ: 188، وأسرار العربيّة: 96، والتّبيين (م40) : 275.