معطوفةٍ على كلام في أوّله حادثةٌ لا تستقيمُ إعادتُها على ما عُطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصّرف؛ كقول الشّاعر [1] :
لا تنهَ عنْ خُلُقٍ وتأتَيَ مِثلَهُ عارٌ عليكَ إذا فَعلتَ عظيمُ
ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (( لا ) )في (( تأتي مثله ) )؛ فلذلك سُمِّى صَرْفًا إذ كان معطوفًا ولم يستقم أن يُعاد فيه الحادث الذي قبله )) [2] .
وتوسع في موضع آخر ليضيف إلى الواو: ثم، والفاء و (أو) ، فقال: (( والصّرف أن يجتمع الفعلان بالواو أو ثم أو الفاء أو(أو) ، وفي أوّله جحد أو استفهام، ثم ترى ذلك الجحد أو الاستفهام ممتنعًا أن يُكَرّر في العطف، فذلك الصّرف )) [3] .
ونعود لنعرض الخلاف في هذه المسألة، فمذهب الكوفيين أنّ الفعل المضارع بعد واو المعية وفاء السببية و (أو) منصوب على الخلاف، ومذهب البصريين أنّ الفعل منصوب بإضمار (أنْ) ، ومذهب الجرميّ (ت224هـ) أنّ الواو والفاء و (أو) هي الناصبة بنفسها؛ وذلك نحو قولك: (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) و (أينَ بيتُك فأزورك) و (يَقُومُ زيدٌ أو يأتيَ عمرو) [4] .
احتجّ الكوفيون بأنّ هذه الحروف عطفت ما بعدها على غير شكله في المعنى، فقولك: (لا تظلمني فتندم) دخل النّهي على الظّلم، ولم يدخل على النّدم، فحين عطفت فعلا على فعل لا يشاكله في المعنى، ولا يدخل عليه حرف النّهي كما دخل على الذي قبله، استحق النّصب بالخلاف كما استحق نصب الظّروف بعد الأسماء نحو زيد عندك وزيد خلفك؛ لأنّ هذه الظّروف خالفت ما قبلها فنصبت على الخلاف [5] .
(1) البيت لأبي الأسود الدؤلي وهو في ذيل ديوانه: 233.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 33 - 34.
(3) المصدر نفسه: 1/ 235.
(4) ينظر: المقتضب: 2/ 14 - 15، 25 - 27، 2/ 28 - 29، والأصول: 2/ 153 - 155،والحلل في إصلاح الخلل: 254 - 257، والإنصاف (م78) : 442 - 444، (م79) : 445 - 447، والغرّة المخفيّة: 1/ 165.
(5) ينظر: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 235، والمقتصد: 2/ 1074 - 1075، والحلل في إصلاح الخلل: 254 - 255، والإنصاف (م78) : 442 - 443، و (م79) : 445 - 446، وشرح المفصّل: 7/ 249.