وقد تختلف رؤية اللّحن عند القدماء عنها عند المحدثين، فقد رأى الدكتور رمضان عبد التّواب أنّ ما عدّه اللغويون لحنًا وخطأ يعدّ تطورًا ونموًا من جهة علم اللّغة الحديث [1] . وكذلك رأى كمال بشر أن أصحاب مصنّفات اللّحن تناولوا هذا (التّطور) بالدّرس والمناقشة لكن لا على أنّه تطوّر أو تغيّر وإنّما بوصفه لحنا وخطأ [2] .
وقد أشار ابن الخبّاز في توجيهه إلى اللغة التي تتكلم بها العامّة، ونّبه على أخطاء العامّة والنّاس، والجهال بالعربيّة، وكان يغلظ القول فيهم، فيستعمل معهم ألفاظًا فيها قسوة منها: (( ولو كان عند المغفل علم بأن العرب ) )، (( وحدثت عن بعض الحمقى ) )، (( وقد جمع هذا بين جهلين ) ). وسأذكر عددًا من هذه النصوص التي تناولها، مما له علاقة بهذا المبحث اللّغوي؛ ليتبين لنا موقفه منها:-
1 -عند:
ذكر ابن الخبّاز أنّ (عِنْدَ) لها خصيصتان لا تلتزم بهما العامّة، إذ قال: (( وعِنْدَكَ: جِهَة مبهمة، تقول: زَيدٌ عِنْدكَ، ... ، ولها حكمان تخالفهما العامّة: الأوّل: أنَّها لا تجرّ بغير(من) ، وفي التنزيل: {قُل كُلّ مِنْ عِندِ اللهِ} [3] ، ولا تقول: جئت إلى عِنْدَكَ.
الثاني: أنّها لا تصغّر ويجري ذلك في لسان أهل الشام كثيرًا.
وسألتُ شيخنا (رحمه الله) لِمَ لَمْ تُصَغَّر؟ فقال: لأن تصغير الظروف يفيد [التقريب] [4] ، وعند مستغنية عنه )) [5] .
وعلل ابن برهان العكبريّ (ت456هـ) دخول (من) وحدها على (عند) ؛لكثرتها مزيدة وغير مزيدة [6] ، وعلله الواسطيّ (ت469هـ) بكثرة تصرُّف (من) [7] ، في حين وجهه
(1) ينظر: لحن العامّة والتّطور اللّغويّ: 33، ولحن العوام للزبيديّ (مقدمة المحقق) : 7.
(2) ينظر: دراسات في علم اللّغة: 2/ 128.
(3) النّساء: 78.
(4) الأصل: التّعريف والصواب ما ذكرته، ينظر: المقتضب: 2/ 271، وشرح اللّمع للواسطيّ: 251.
(5) التّوجيه: 193.
(6) ينظر: شرح اللّمع لابن برهان: 1/ 121.
(7) ينظر: شرح اللّمع للواسطيّ: 66.