الحديث ومن تجارب الدول المتخلفة ... ورغم هذا الواقع المر ما زال أغلب المثقفين عندنا يميلون إلى السلفية أو الانتقائية، والغريب أن هذين الاتجاهين يخدعان المثقف ويغريانه بنوع من الحرية الذاتية، يظن أنه يملك حرية الاختيار، وأنه قادر على أن ينتخب من إنتاج الغير أحسنه، وهذه حرية شبيهة بحرية الرواقيين الذين كانوا يظنون أنهم إن حرروا القلب والذهن من تأثير الإنسان والكون جاز لهم أن يهملوا الأغلال التي تشد الأيدي وتقيد الأرجل" [1] ، ويصف طريق الخلاص من الفكر السلفي فيقول:"إن الطريق الوحيد للتخلص من الاتجاهين معًا هو الخضوع للفكر التاريخي بكل مقوماته ... إن أحسن مدخل وأحسن مدرسة للفكر التاريخي يجدهما العرب اليوم في الماركسية في تأويلها التاريخاني. إن الكثير من المثقفين العرب يشعرون أنهم سيفقدون حريتهم إذا خضعوا لهذا الفكر؛ سيكونون مسيرين ويعلمون مسبقًا إلى أي هدف يسيرون؛ إنهم سيبقون دائمًا في طور التلمذة؛ إذ لم يتعد عملهم تدارك التأخر، وأنهم سينسلخون عن شخصيتهم إذا اعترفوا أن التاريخ فيهم. والعجيب أن تأتي مثل هذه الانتقادات من السلفي الذي يعتقد بالقدر، وينحل في شخصيات السلف الصالح" [2] ."
ويرفض العروي قيام المؤرخ المسلم في تفسيره للتاريخ بربط وقوع الحوادث بمشيئة الله وإرادته، ويصفه بأنه عمل فج وممل، فنراه يقول تحت عنوان (ماهية الأنماط التعليلية) :"لا نتكلم هنا عن الفكرة التي نجدها في كثير من الكتب التاريخية الإسلامية وخاصة المتأخرة منها: أي تفسير كل حادثة بالإرادة الربانية، لأن التاريخ يصبح حينئذ قسمًا من علم الكلام. الحقيقة هي أن لا فرق بين استعارة الإرادة الإلهية من علم الكلام واستعمالها في التاريخ وبين استعارة القانون الطبيعي من علوم الفيزياء أو الاجتماع أو الاقتصاد وتوظيفه لنفس الغرض، إلا أن الاستعمال الأول"
(1) المرجع السابق ص 205 - 206.
(2) المرجع السابق ص 206 - 207.