القرآن بسند عن فلان عن فلان ... الخ. ثم قووا طعنهم بروايات أمثال ما رواه الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبدالله قال: سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى جبينه وسجد عليه وكان شيخا كبيرا - ثم ليزيدوا كلامهم وجاهة قالوا: ويقال إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص - حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ما جئتك به، وأنزل الله {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} (الاسراء:74) . وفي البخاري أن الذي أخذ قبضة التراب هو أمية بن خلف. فيا للعجب أيخفى التوحيد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويخفى عليه هذا الأمر لهذه الدرجة التي لو صدقناها لفتحت باب الشك في الوحي كله، والله تعالى يقول: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:2 - 4) ، وقال: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ
وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (الشعراء: 210 - 212) . فإن صدقنا باطل الروايات، فقد كذبنا نور هذه الآيات.
4 -وقصدهم أن الشيطان قد ألقى ألفاظا مسموعة بها حصلت الفتنة. والتفاسير مطبقة على أن ذلك صدر من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يحصل منه ذلك.
5 -وهكذا ترسخت الفكرة بهذا القول وصار العلماء يجتهدون في الرد عليها، وهذا لو سلمنا به لحطم الديانة الإسلامية ولأتى عليها من القواعد. من ذلك رد القاضي عياض: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات
عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأشاعوها. ويقول القرطبي موافقا على ذلك محتجا بما رواه سليمان بن حرب إن"في"بمعنى عند أي ألقى الشيطان عند أمنيته. أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم -. لا أن النبي تكلم به. وهم يثنون على الطبري الذي أخرجهم من هذه الورطة، وما من