لما وصلهم من تلك الدسائس التي غفلوا عنها اطمئنانا أنها جاءتهم عن أناس كانوا لا يشكون فيهم، علما أنها تم تدليسها، ومن شك في هذا فليجبني عما كتبه أهل مصطلح الحديث، حيث جاء فيه ما نصه:
"إن الرجال الذين تكلم فيهم بالضعف من رجال مسلم مائة وستون، والذين تكلم فيهم من رجال البخاري ثمانون لم يكثر من ذكر حديثهم، وغالبهم من شيوخه الذين خبرهم ومارس حديثهم"أ. هـ. [1]
إن خبرة اليهود الطويلة التي استفادوها من تاريخهم الطويل سخروها في وضع التشكيك في القرآن ليصل مستقبل أمة الإسلام إلى ما وصلوا إليه من الفرقة وذهاب الريح. وكلنا نعلم كتاب اليهود التلمود الذي جمع الروايات الشفوية، على زعمهم، من كلام موسى و هرون، والأنبياء والعلماء. فالربانيون يؤمنون به، والقراؤون يلعنون من اشتركوا فيه. وقد تشددوا في تفسيرات التوراة حتى هجرها الناس ورفضوها، لذلك عمدوا لما يلي:
1 -وضع أحاديث نبوية تهدف إلى وضع أحكام زائدة عن أحكام القرآن ليوقعوا الناس في الحرج والمشقة فيتخلوا عن الدين.
2 -وضع التفسيرات الملتوية لبعض الآيات القرآنية، ينسبوه تارة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومرة إلى كبار الصحابة، وعلماء المسلمين ليصرفوا الناس عن القصد الإلهي الصحيح من إنزال كتابه. [2]
بذلك فرقوا المسلمين إلى شيع وأحزاب كل حزب بما لديهم فرحون. فيقوم المصلحون للإصلاح فيغضب أهل الأهواء والبدع فتقع الواقعة بين المسلمين، فيفرح اليهود بذلك ويسعدوا. فإن لم يكن ذلك كذلك فما هذا العبث الذي يذكر في كتب التفسير مما لا حصر له من الإسرائيليات التي يتورع العاقل عن ذكرها.
يقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى
(1) الشيخ عبد الغني محمود، علم مصطلح الحديث، مطبعة الفتوح الأدبية بمصر سنة 1913 هجرية.
(2) أنظر كتاب الدكتور السقا التوراة.