لقد هالني الكثير من الأقوال في النسخ، تلك التي تلغي أحكام الله تعالى، مع ما في تلك الآيات من جمال الأحكام، وحسن الأدب، وكمال الأخلاق، وحسن التربية، والسير في مدارج الكمال. فانقدح في ذهني كيف يمكن قبول هذا من قبل علمائنا عليهم رحمات الله تعالى، دون أن يستندوا إلى حديث يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن آية كذا من سورة كذا نسخت آية كذا من سورة كذا، مع العلم أن أخص خصوصياته - صلى الله عليه وسلم - نقل إلينا، كتقبيله لزوجته، وغشيان أهله، وأسفاره، وسراياه، وغزواته، مع أن موضوع النسخ قد عظَّم العلماء شأنه، ونبهوا على أهميته، وهم يعرفون أن الأصل عدم النسخ في القرآن الكريم، وأن الجمع بين الآيات هو الأولى.
وبدراسة أحوال المسلمين عن قرب، يتبين لكل ذي لب، أن المشكلة ليست مخالفة أحكام فحسب، وإنما بعد وجهل عن منهج الرب، فالإسلام الحق في غياب، إلا ما كان من الطائفة المنصورة، فقد غطي جل الإسلام بالأنقاض والتراب، فلا العقيدة واضحة في الأذهان، ولا الأحكام ميسرة للتطبيق، وصار كل امريء يفصل إسلامه كما يحلو له، ويدعي أنه الوحيد الذي على الحق،
فتعدد الإسلام بتعدد الطوائف والناس، مما ينذر بمزيد من الدمار والإفلاس، والناس عن تدبر كلام ربهم في ذهول، وعن طلب الحق ونصرته في خمول، فصارت الحقيقة تبرا في تراب، وحقيقة في سراب، فشمرت عن ساعد الجد عند هذا الحد لتصفية ما تعكر من نبع الإسلام، وتوضيح ما تشوه من الأحكام. ولقد وضعت نماذج أربعة فصلت فيها القول تتعلق بأمر القبلة، وحقوق النساء الأرامل، وتحريم شرب المسكرات، وأحكام قيام الليل، فعمقت البيان، وأرسيت البنيان، ودعمت الأركان، وبينت ضلال فكرة النسخ، وما ولدت للأحكام من مسخ، وأن ذلك لا يصلح في الدين، ولا يخدم المسلمين، ناهيك عما يقوض من بنيان الإسلام، ويضع الخنجر بيد العدو والصديق، مما حير الناس، ولبس عليهم الحق.
ولكني رأيت الآيات القرآنية تعلم المسلم كيف يتدرج في مدارج الكمال حسب قدرته واجتهاده، فالصلاة المفروضة هي الحد الأدنى، وفتح له باب النوافل ليزيد ما يشاء. والزكاة المفروضة الحد الأدنى في العطاء،