فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 340

للإنسان أن يستهين بشيء هو من خلق الله تعالى، ولا سيما وأنه جعل في كل خلق حكمة قد نهتدي إليها، وقد لا نعرفها أبدا.

ولذلك كان التنزيل المبين وفيه المثل بالبعوضة، على الرغم من ضعفها ووهنها كي نستدل به على ما أراد الله بهذا مثلًا.

ومن هذه الدلالات، إحدى الحقائق التي يطلقها القرآن الكريم وهي أن الخالق العظيم لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بشيء من خلقه حتى ولو كان من أصغر الأشياء وأضعفها.

فالحياء من طبيعة المخلوقات، بل من طبيعة المؤمنين بالذات من عباد الله الذين يرون بأن الحياء فرض، بل وشعبة من شعب الإيمان، لاعتقادهم اليقيني بأن ربهم تبارك وتعالى هو السميع لجميع أقوالهم، العليم بكل أفعالهم، فلا يأتون بشيء إلا ويخافون أن يكون فيه ما لا يرضي ربهم.

ولذلك كان حياؤهم منه- جل وعلا- من أهم الموانع عن ارتكاب المعاصي والذنوب. وما ذلك إلا لأن الاستحياء هو الانقباض عن الشيء، فإذا ما أحسّ المؤمن بالحياء من فعل هذا الشيء الذي ينهاه ربه عنه، أو من عدم فعله لشيء يأمره ربه بالقيام به، انقبض عما هو مأمور بتركه وأقدم على ما هو مأمور بفعله، وإلا تتعرض قرارة نفسه بأنه ارتكب مخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه، أو مخالفة للنواميس، أو القوانين، أو الأعراف والنظم التي يريده تعالى أن يسير عليها أو يتألف مع تناسقها في بناء الحياة والكون وهذا كله لا ينطبق على الله- جلت قدرته- لأنه خالق السنن والنواميس والأعراف والقوانين والنظم وهو الذي يسيرها ويديرها ويدبرها لقوام الوجود كله وانتظامه، وهذا ما أراد الله - جل جلاله- أن يبينه لنا في الآية الكريمة، منزهًا نفسه عن الاستحياء، فهو لا يستحيي أن يضرب المثل بالبعوضة الصغيرة الضئيلة، ولا بما هو أكبر وأجل شأنًا منها.

والتمثيل كما مر ليس إلا إبراز المعنى المقصود في معرض الأمر المشهود، وتحلية المعقول بحلية المحسوس، وتصوير أوابد المعاني بهيئة المأنوس لاستمالة الوهم واستنزاله عن معارضته للعقل واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهم الدقائق الأبية، كي يتابعه فيما يقتضيه، ويشايعه إلى ما يرتضيه، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، والكلمات النبوية، وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء [1] وأما الغاية من هذا المثل فلكي يجعله امتحانًا للعباد فيتميز به المؤمنون عن الكافرين. أما الذين

(1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود بن محمد العمادي، دار الفكر، بيروت ج1، ص: 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت