والأرض كما يقول محمد عليه السلام، فإنه أجل وأعلى من أن يضرب أمثالًا بأشياء حقيرة، تستدعي الاستغراب والعجب إذ أي قدر للبعوضة حتى يضرب بها الله مثلًا؟
فجاءهم التوكيد الذي يدحض دعواهم الكاذبة ولم تكن الغاية من هذا المثل الرد على الكافرين والمنكرين وحسب، بل وللتمييز -كما يبدو واضحًا- بين المؤمنين المهتدين، والكافرين الضالين.
فأما الذين آمنوا، ومن صفاتهم التصديق والإنصاف، ومن رأيهم العمل بالعدل والسوية، ومن منهاجهم النظر في الأمور بعين العقل والحق، فيعلمون أن المثل الذي يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق من ربهم تعالى، فلا يمكن أن يحتمل أدنى شبهة أو التباس مما قد يصور آراء الناس وأفكارهم.
وأما الذين كفروا، وهم من غلب عليهم الكذب، وران على نفوسهم الضلال، وغطى على عقولهم الجهل، فقد استكبروا عن التصديق بهكذا مثل، فاستنكروه معاندين، وحكموا عليه بالبطلان منكرين، فقالوا: {ماذا أراد الله بهذا مثلًا؟} .
والحقيقة أنه لا مجال لأي إنكار أو جحود إذا كان المراد من المثل كشف المعنى وبيان الغرض المطلوب، ولو جاء التدليل بأضعف المخلوقات، أو بأصغر الجمادات. فكيف- والحال هذه- يستغرب هؤلاء الكفار قول الله الحق، ويدعون بأنه لا يجوز على الله- جل جلاله- أن يضرب مثلًا بمثل هذه المخلوقات.
وكيف ينكرون المثل بالبعوضة في كلام الله تعالى، والناس يضربون الأمثال بالبهائم، والطيور، والحشرات، والهوام، والجمادات، والنبات؟
فالعرب الذين أنزل القرآن بلغتهم وقد تمثلوا بأضعف الأشياء فقالوا: (أجمع من ذره) و (أجرأ من ذباب) و (أضعف من فراشة) و (آكل من سوس) . كما في كلام بلغائهم: أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوضة [1] ذلك هو مفهوم المثل بأشكاله المتنوعة، أو بما يتفرع عنه من مترادفات تؤول إلى بيانه وتوضيحه، أو ما يتداخل فيه من معان بيانيه أو اصطلاحية، تهدف إلى تقريب المعنى، وتوضيح الفكرة بأحسن الصور وأجمل التعابير.
وإذا كان الله العليم الحكيم قد جعل لكل شيء قيمة وقدرًا فلا ينبغي
(1) تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة: بيروت، الطبعة الثانية، المجلد الأول، ص: 227.