فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 340

المدنية على العناد، وتلاه بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا، وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم، وبعض الشكل، فقد باينته بالطعوم والطهارة، وما لا يعلنه إلا الله تعالى فاضمحلت نسبتها إليها، وكان في ختم الآية بـ (خالدون) إشارة إلى أن الأمثال التي هي أحسن كلام الناس، وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم، ودوام الذكر، فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى على المنصف، فلم يبق إلا طعنهم بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه، فبين حسنها، ووجوب الاعتداد بها، وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقًا إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاه وعظمته وكماله، فلو ترك التمثيل بها لذلك لانسد هذا الباب الذي هو من أعجب العجاب، فقال تعالى على طريق الاستنتاج من المقدمات المسلَّمات، وأكد سبحانه دفعًا لظن أنه يترك لما لبَّسوا به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال، وأجلى في جميع الأحوال." [1] "

ثانيًا: الحياء حالة وانفعال يعتري الإنسان فيسوقه إلى ترك بعض الأشياء أو فعل بعض الأمور وإن هذا المعنى محال إطلاقه على الله تعالى.

وقال النسفي في تفسيره: وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به، ويذد، ولا يجوز على القديم التغير وخوف الذم، ولكن الترك لما كان من لوازنه عبر عنه به [2] ولذلك يراد به الفعل أو الترك فالمعنى هنا (إن الله) تعالى لا يستحييي أي لا يترك (أن يضرب) أن يذكر (مثلًا ما) أي مثل كان سواء كان المثل به كبيرًا أو صغيرًا وإن بلغ من صغره (بعوضة فما) يكون (فوقها) فوق البعوضة في الصغر كأصغر حشرة لأن كل مثل يأتي حسب المقام فإذا أريد تصغير الشيء يمثل بالصغير وإذا أريد تعظيمه يمثل بالعظيم والكبير فذكر الصغير والكبير بالنسبة إلى الله سواء فكله من خلقه وليس أحد أفضل من غيره بالنسبة لخلق الله تعالى له على أن الصغير ربما يكون له فائدة لا توجد في الكبير [3] ولما كانت أمثال القرآن على قدر كبير من الروعة، والعظمة والفائدة فقد راع الكافرين، والمعاندين والمكذبين هذا النمط من الأسلوب القرآني، وهذا اللون من معانيه العظيمة، فعمدوا الى التشكيك والمداهنة مستنكرين أن يضرب الله الأمثال، وزاعمين أن الله إذا كان على هذا القدر من العظمة، وأنه خالق السماوات

(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 1/ 75.

(2) تفسير النسفي 1/ 35.

(3) محمد الشيخ طه الباليساني، حسن البيان في تفسير القرآن (1409هـ-1988م) المجلد الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت