فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 340

وإن الذي يمضي منه لا يعود، وهذه خصيصة أخرى من خصائص الوقت. فكل يوم يمضي، وكل ساعة تنقضي، وكل لحظة تمر، ليس في الإمكان استعادتها. وبالتالي لا يمكن تعويضها. وهذا ما عبر عنه الحسن البصري بقوله البليغ:"ما من يوم ينشق فجره، إلاّ وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة"وليس هذا حديثًا مرفوعًا. كما حسب بعض الناس. بل هو من كلام الحسن البصري الذي قال فيه الإمام علي زين العابدين:"هذا الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء. . . ولهذا رأينا الشعراء والأدباء بعد بلوغ المشيب، يتمنون عودة أيام الشباب مرة أخرى، ولكنه محض تمنِّ، لا يفيد في كثير ولا قليل. يقول قائلهم:"

ألا ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب!

ويصور شاعر آخر كيف يمضي العمر، وتذهب أيامه ولياليه بلا رجعة، ولا أمل في رجعة. فيقول:

وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفرٍ يفنيه باليوم والشهر

يبيت ويضحي كل يوم وليلة بعيدًا عن الدنيا قريبًا إلى القبر [1]

قلت: الزمن مادة الحياة نكون باستغلاله، ونموت بضياعه. فالحقيقة أنه في كل لحظة تمضي نقترب إلى أجلٍ محتوم بعده حياة أزلية لا موت فيها، بل إما خلود في الجنة أو خلود في النار، نعوذ بالله وإياكم من عذاب النار.

وعند مطالعة القرآن العديد من الكلمات ذات المعنى المعبر في القرآن الكريم والتي هي كثيرة أذكر منها بعض النماذج ذات المدلول الخاص:

1 -قبل ارتداد الطرف: لما أراد سليمان عليه السلام إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ، قال سليمان: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} {النمل/38} {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} {النمل/40} فكان بين يديه.

2 -لمح البصر: وسيلة لا يعدمها إنسان في زمان ولا مكان، بخلاف الوسائل التقنية فإنها من نتاج الحضارات المعاصرة، ويمكن أن يأتي اليوم الذي تتقدم فيه، أو تزول 0 فهي وسيلة لا تتغير بتغير الأوقات والبلدان، فالإنسان هو الإنسان في كل عصر وحركة أعضائه هي نفسها في جميع

(1) الوقت في حياة المسلم، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، (1405ه - 1989م) ، ً! &.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت