العدم، وهو موقف المتكلمين وبعض الفلاسفة كالكندي؛ والثاني يرى أن الآيات التي أشارت إلى الخلق في القرآن، تدل على أن هنالك وجودًا قبل هذا الوجود وزمانًا قبل هذا الزمان، فيكون الزمان والعالم قديمين. وإلى ذلك ذهب"ابن رشد [1] "الذي استدل بالآية: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} {هود/7} على أن هنالك وجودًا قبل هذا الوجود، وهو (العرش والماء) ، وزمانًا قبل هذا الزمان، وهو المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك" [2] ."
أي إن القائلين بقدم العالم يرون أن كون عملية الخلق قد تمت في ستة أيام، فإن هذا يعني - وبغض النظر عن القيمة العددية لتلك الأيام - وجود زمان قبل خلق هذا العالم، مما يعني قدم الزمان ولكن"فخر الدين الرازي"قد رد على هؤلاء قائلًا"إن تلك المادة - أو الزمان - غير موجودة، بل هي مفروضة موهومة. والدليل على ذلك أن تلك المدة حادثة، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى، وإلاّ لزم الإثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال".
وبما أن كلا من الطرفين يحاول أن يجعل لأقواله سندًا من (النقل) ، فإن فكرة القدم والحدوث في القرآن أصبحت نقطة انطلاق قوية لمشكلة الأزلية والأبدية ولمشكلة العلاقة بين الله والعالم والزمان كما سنرى. وأن هذا يؤكد أصالة الفلسفة الإسلامية وقدرتها على الإبداع والابتكار انطلاقًا من تراثها الروحي.
(ج) وردت فكرة"التقدم"، و"التأخر"الزماني في القرآن الكريم، وهي من الأفكار التي سيطيل الفلاسفة المسلمون النظر والنقاش فيها: هل التقدم هو تقدم بالذات أم بالزمان أم بالعلية أم بالشرف والمرتبة ... الخ، قال تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . [الحديد:3] .
ويرى بعض المفسرين أن (الأول) و (الآخر) هما صفتا الزمان لله تعالى، وأن (الظاهر) و (الباطن) هما صفتا المكان له. ولكن هذا لا يعني أن الله موجود في الزمان، أو أنه حال في المكان؛ بل هو منزه عنهما
(1) ابن رشد: هو أبو الوليد بن رشد.
(2) فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وضبط وتعليق د/ سميح دغيم، دار الفكر اللبناني في بيروت، الطبعة الأولى، (1994م) ،ص52.