بين إنكار الخالق المدبر وإنكار البعث ويوم القيامة. أما الآية الثانية، فإن كلمة الإنسان فيها تفسير على أنها النفس الناطقة التي تكون موجودة قبل وجود الأبدان. ويرى بعض المفسرين أن الغرض من هذه الآية تبيان أن الإنسان محدث ومتى كان كذلك فلا بد له من محدث قادر" [1] ."
ويرى"الرازي"في تفسيره: أن الدهر والزمان في جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به الله. كما أن الزمان والمكان هما أشرف المخلوقات عند الله، فكان القسم بالعصر قسمًا بأشرف النصفين من مُلك الله وملكوته [2] .
قلت: بل الإنسان هو أشرف المخلوقات لأن الله خلق كل شيء من أجله، وزوده بالعقل والشهوة، وأخدمه بالملائكة، وجعل مصيره للجنة في الغالب؟!
(هذا هو المستوى الأول الذي عالج فيه القرآن مشكلة الزمان وهي معالجة اصطلاحية كما لاحظنا. ولكنها كانت من الدقة والشمول بحيث أفادت الفلاسفة والمتكلمين المسلمين في تحديد مفهوم الزمان والألفاظ الدالة عليه والمتعلقة به، وساعدتهم أيضًا على الانتقال نحو تأصيل المشكلة وطبعها بالطابع الإسلامي، وهو ما سيتضح أكثر في عرضنا للمستوى الثاني، وهو المستوى الفلسفي. وفي المستوى الثاني نشير إلى بعض الأفكار الأساسية في مشكلة الزمان، والتي نرى أنها وجهت تفكير الفلاسفة المسلمين وجهة قرآنية:
(أ) يمكن أن نجد في القرآن الكريم بوادر التقسيم الذي يعتمده بعض الفلاسفة المسلمين للزمان، وهو تقسيمه إلى زمان مطلق وزمان طبيعي. فمن خلال مفاهيم السرمد والخلد والدهر الذي يعني الزمان المتطاول الذي ليس له بداية ولا نهاية، والذي يرتبط بمفهوم الألوهية ارتباطًا وثيقًا. نستطيع أن نخرج بمعنى الزمان المطلق الذي لا تحده حركة ولا يرتبط بالعدد أو الحساب. أما من معاني الليل والنهار واليوم (بمعناه العادي وليس بمعنى أيام الخلق) والشهر والساعة وغير ذلك، نستطيع أن نتصور معنى الزمان الطبيعي الذي يرتبط بكل ذلك ارتباطًا وثيقًا كما سنرى.
(ب) فكرة الخلق وما يترتب عليها من مشاكل، مثل مشكلة القدم والحدوث. والناظر إلى هذه المشكلة في القرآن الكريم يجد أن الآراء تنقسم فيها إلى قسمين: الأول يرى أنّ الخلق - خلق العالم والزمان - كان من
(1) أنظر: فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب المشهور بالتفسير الكبير، المطبعة العامرية الشرقية، مصر، (1308 هـ) ، الجزء الثامن، ص272.
(2) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، ص475. الزمان في الفكر الإسلامي، ص58.