"يقول ابن سينا [1] في رسالة الحدود [2] إن مصطلح الإحداث: ويقال على وجهين: أحدهما زماني والآخر غير زماني. ومعنى الإحداث الزماني إيجاد شيء بعد ما لم يكن له وجود في زمان سابق. ومعنى الإحداث غير الزماني فهو إفادة الشيء وجودًا، وليس له في ذاته ذلك الوجود، لا بحسب زمان دون زمان في كل زمان كلا الأمرين" [3] . و"الحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير" [4] ."الحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم زمانيًا، والحدوث الذاتي أعم مطلقًا من الحدوث الزماني" [5] . (لقد وردت فكرة الزمان في القرآن الكريم على مستويين: الأول هو المستوى الاصطلاحي، والثاني هو المستوى النظري الفلسفي. أما المستوى الأول ففيما يخص مصطلح الزمان، فلم يرد بالنص وإنما وردت ألفاظ دالة علية كالدهر، والحين، والآن، والمدة، واليوم، والأجل، والأمد، والسرمد، والأبد، والخلد، والوقت، والعصر، وغيرها.
فقد وردت كلمة (الدهر) بمعنى الدهر المهلك. قال تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ... } {الجاثية/24} .
كما وردت أيضًا بمعنى الزمان المتطاول في قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا} . [الإنسان:1] .
"والدهر في الأصل اسم لمدة العالم من بدء وجوده إلى أنقضائه، ثم يعبر به عن كل مدة طويلة. وهو بخلاف الزمان الذي يقع على المدة القصيرة والطويلة" [6] .
قلت: ويطلق على العام الواحد فعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من صام رمضان واتبعه ستا من شوال كان كصوم الدهر". [7]
"ونجد في الآية الأولى إشارة إلى طائفة"الدهريين"الذين جمعوا"
(1) ابن سينا: هو شرف الملك أبي علي الحسين بن عبدالله بن سينا.
(2) رسالة الحدود: وهي ضمن تسع رسائل فلسفية متنوعة من تأليف إبن سينا.
(3) الزمان في الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ص54 - 55.
(4) التعريفات، الجرجاني، مطبعة الحلبي، (1938) ، ص73،انظر المصدر السابق، ص 54 - 55.
(5) نفس المصدر، ص73.
(6) معجم الفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، القاهرة، (1970 م) ، الجزء الأول، ص422.
(7) الجامع الصغير للسيوطي، وقال: رواه أحمد ومسلم والأربعة.