والعقل الغريزي ما كان مبتدأ في النفوس كالعلم بأن الأشياء لا يخلو من وجود أو عدم وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع سلامة حاله و كمال عقله، فإذا صار بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل.
و العقل المكتسب هو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة وصحة السياسة و إصابة الفكرة و ليس لهذا حد لأنه ينمو إن استعمل و ينقص إن أهمل و نماؤه يكون إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ولا صاد و لا شهوة. وإذا اجتمع فرط الذكاء بجودة الحدس وصحة القريحة بحسن البديهة مع ما ينميه الاستعمال بطول التجارب و مرور الزمان بكثرة الاختبار فهو العقل الكامل على الإطلاق ويثنى على العاقل العابد ويذم الأحمق العابد فإن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، و إنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم.
وأضعف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى و زاد هل يكون فضيلة أم لا؟ فقال قوم: لا يكون فضيلة لان الفضائل هيئات متوسطة بين فضيلتين ناقصتين كما أن الخير متوسط بينه رذيلتين فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة وهذا ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -، قال خير الأمور أوسطها. وقال إن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء و المكر وذلك مذموم و صاحبه ملوم، وقال آخرون إن العقل فضيلة.
والعقل المكتسب لا ينفك عن العقل الغريزي لأنه يتجه منه وقد ينفك العقل الغريزي عن العقل المكتسب فيكون صاحبه مسلوب الفضائل موفور الرذائل كالأنوك (مثل الأحمق) الذي لا تجد له فضيلة و الأحمق الذي قلما يخلو من رذيلة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الأحمق كالفخار لا يرقع ولا يشعب"، وقال بعض الحكماء: الحاجة إلى العقل اقبح من الحاجة إلى المال وقال بعض البلغاء: دولة الجاهل عبرة العاقل." [1] "
هذا العقل الذي يخطط في الحياة من أجل الحياة الإنسانية، هذا الذي تغمر الوجود عطاياه، هذا الذي أمر الحياة بالحركة و النشاط المذهل هل ينفذ إلى كشف أسرار الحياة.
كيف يفسر لنا في مجال ما يشاهده، رفع السماء من غير عمد؟ كيف يفسر نظام المجموعات الشمسية التي تطل عليه فيرفع إليها طرفة فيرتد خاسئًا وهو حسير؟
(1) أدب الدنيا والدين، الماوردي، ص30.