أخاف عليكم اثنين: اتباع الهوى، وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة.
وقال الشعبي: إنما سمي الهوى هوىً لانه يهوى بصاحبه، وقيل في منشور الحكم: من أطاع هواه، أعطى عدوة مناه، وقال بعض الحكماء: العقل صديق مقطوع، و الهوى عدو متبوع، وقال البعض أفضل الناس من عصى هواه، وأفضل منه من رفض دنياه.
ولما كان الهوى غالبًا، وإلى سبيل المهالك موردًا، جعل العقل عليه رقيبًا مجاهدًا يلاحظ كثرة غفلته، و يدفع بوادره بسطوته، و يدفع خداع حيله لأن سلطان الهوى قوي، و مدخل مكره خفي، ومن هذين الوجهين يواتي العاقل حتى تنفذ أحكام الهوى عليه.
وقال الحسن البصري: أفضل الجهاد جهاد الهوى. وقال بعض العلماء: ركب الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما، فمن غلب عقله شهوته، فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله فهو شر من البهائم.
ولذا قال بعض الحكماء: الهوى ملك غشوم، و متشك ظلوم، وقال بعض الأدباء، الهوى عسوف. [1]
وقال بعض الشعراء:
يا عاقلًا أردى الهوى عقله مالك قد سدت عليك الأمور
أتجعل العقل أسير الهوى و إنما العقل عليه أمير
وقد رفع القران الكريم من شأن العقل، فكثير من الآيات القرآنية تطلب التحلي به، و التمسك بأهدابه، و السير في طريقه، و غاية العباد ليست العقل، بل العقل وسيلة لمعرفة الله وطاعته، و عبادته. والعقل أساس الفضائل، و ينبوع الأدب، وهو أصل للدين، وعماد للدنيا، فأوجب التكليف بكماله، وفرق به بين خلقه. [2]
والعقل لا يرغب الوحدة في الغالب ... {تحسبهم جميعًا و قلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} " [3] إن تحسب اليهود و المنافقين أو كلا منهم مجتمعين ذوي ألفة و اتحاد، قلوبهم متفرقة لا ألفة بينهم. . . فلا يتعاصرون حق التعاصر. وهذا تبشير للمؤمن و تشجيع لعدم ثبوتهم على مقالهم، ذلك"
(1) تهذيب إحياء علوم الدين، الغزالي، ص 50
أدب الدنيا و الدين، لأبى البصري الماوردي، دار الفكر: للطباعة و النشر و التوزيع، ص 23
(2) أدب الدنيا والدين الماوردي، ص 24/ 25
(3) سورة الحشر (59/ 14)