فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 340

الثالث: علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال، فان من حنكته التجارب و هذبته المذاهب، يقال إنه عاقل في العادة، ومن لا يتصف بهذه الصفة فيقال إنه غبي جاهل.

الرابع: أن تنتهي قوة هذه الغريزة إلى أن يعرف عوائق الأمور، و يتمتع بالشهوة الداعية إلى اللذة العاملة و يقهرها، فإذا حصلت على هذه القوه سمي صاحبها عاقلًا.

وإن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى القسم الثاني وهو العلم الضروري بجواز الجائزات و استحالة المستحيلات، فان من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الجسم في مكانين، وكون الشيء الواحد قديمًا حادثًا، وكذا سائر النظائر وكل ما يدركه إدراكا، محققًا من غير شك.

وأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها. أما القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات فلا يخفى تفاوت الناس فيه، بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد فيه، هذا التفاوت يكون تارة لتفاوت الشهوة، إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض، ولكن غير مقصور عليه، فإن الشاب قد يعجز عن ترك الزنى، وإذا كبر وتم عقله قدر عليه، و شهوة الرياء و الرياسة تزداد قوه بالكبر لا ضعفًا، قد يكون سببه في العلم المعرف لغاية تلك الشهوة، و لهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة، وقد لا يقدر من يساويه في العقل على ذلك إذا لم يكن طبيبًا و أن يعتقد على الجملة فيه مضرة.

وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من الجاهل، لقوة علمه بضرر المعاصي. [1]

والعقل يتناقض مع الهوى، فالهوى عن الخير صاد، للعقل مضاد، لانه ينتج من الأخلاق قبائحها، و يظهر من الأفعال فضائحها، ومدخل للشر سلوكًا، قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [2] .

وروي عن النبي - صلى الله علية وسلم - أنه قال:"طاعة الشهوة داء، و عصيانها داوء". [3] و قال على بن ابي طالب - رضي الله عنه -

(1) تهذيب إحياء علوم الدين، للإمام أبى حامد الغزالي، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - لبنان، ج 1، ط 1 1409 هـ 1988 م، ص 49

(2) القرآن الكريم، سورة الجاثية، آية: 23.

(3) لم أجده، وأظن أنه قول حكيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت