للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسل الله وكتبه؟ فلا خلاف أن الحاكم هو الله، وإنما الخلاف فيما يعرف به حكم الله.
ولعلماء المسلمين في هذا الخلاف مذاهب أربعة:
مذهب الأشاعرة: وهو أنه لا يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين إلا بواسطة رسله وكتبه لأن العقول تختلف اختلافا بيّنًا في الأفعال، فبعض العقول تستحسن بعض الأفعال، وبعضها تستقبحها، بل عقل الشخص الواحد يختلف في الفعل الواحد، وكثيرا ما يغلب الهوى على العقل فيكون التحسين أو التقبيح بناءا على الهوى. وأساس هذا المذهب، أن الحسن من أفعال المكلفين هو ما دل الشارع على أنه حسن بإباحته أو طلب فعله، والقبيح هو ما دل الشارع على أنه قبيح بطلبه تركه، فمقياس الحسن والقبح في هذا المذهب هو الشرع لا العقل.
مذهب المعتزلة: وهو أنه يمكن أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسله وكتبه، لأن كل فعل من أفعال المكلفين فيه صفات وله آثار تجعله ضارا أو نافعا فحكم الله سبحانه على الأفعال هو على حسب ما تدركه العقول من نفعها أو ضررها وأساس هذا المذهب أن الحسن من الأفعال ما رآه العقل حسنا والقبيح من الأفعال ما رآه العقل قبيحا.
مذهب الماتريدية:". . . وخلاصته أن العقل يستطيع الحكم بأن هذا الفعل حسن وهذا الفعل قبيح، لكن لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلفين على وفق ما تدركه عقولنا فيها من حسن أو قبح، لأن العقول مهما نضجت قد تخطئ، فلا تلازم بين أحكام الله وما تدركه العقول، وعلى هذا فلا سبيل إلى معرفة حكم الله إلا بواسطة رسله [1] ."
مذهب السلف الصالح: قلت: ويبدو أن مذهب سلف الأمة وخيرتها أصبح نسيًا منسيأً عند عبدالوهاب خلاف وأمثاله وهو المذهب الحق الذي كشف عنه اللثام شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته، فكل ما قالت المعتزلة والأشاعرة و الماتريدية مقيد ولا بد بمنهج رسول الله وأصحابه وإلا رد عليهم لأن العقل ليس له أن يحكم على الشرع.
مطلب في حماية الشريعة للعقل ممثلة في تحريم الخمر وما شابهه:
إن تحريم الخمر يتفق مع تعاليم الإسلام التي تستهدف إيجاد شخصية قوية في جسمها ونفسها وعقلها، وإذا ذهب العقل تحول المرء إلى حيوان شرير وصدر عنه الشر والفساد بما لا حد له، وهذا الشر يصل إلى نفس
(1) أصول الفقه. عبد الوهاب خلاف. (الكويت: دار القلم للنشر. الطبعة الثانية، 1408 هـ - 1988 م) ص 98 - 99.