وفي مبحث العقل عند الغزالي يستشهد بحديث:"يا أيها الناس اعقلوا عن ربكم و تواصوا بالعقل"ثم يصف العاقل بأنه من أطاع الله، و الحديث في مجمله دعوة إلى الطاعة و تحذير من المعصية إذ نتبين أن الجاهل هو من عصى الله، وفي المقابلة بين العاقل و الجاهل دلالة على أن الالتزام بجانب العقل هو الالتزام بجانب الدين وهو يربط بين العقل و المعرفة إذ يقول"اعقلوا عن ربكم، تعرفوا ما أمرتم به و نهيتم عنه" [1]
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"يا رسول الله بم يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال أليس إنما يخيرون بأعمالهم فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم عز وجل من العقل فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون"" [2] "
وهناك ما يزيد على العشرين حديثًا ذكرها الغزالي و نسبها إلى ابن المحبر وهي إن تتفق في أهدافها مع السنة ولا تتعارض معها لا بد أن نقف منها موقفًا حذرًا لأنها تبالغ في وصف العقل ومدحه عندما يرد فيها مثل هذه الألفاظ؛ ودعامة الدين العقل ولكل قوم غاية وغاية العبادة العقل.
وهنا نظرة على مثل هذه الأحاديث لان غاية العباد ليست العقل بل العقل وسيلة لمعرفة الله و طاعته و عبادته و يبدو ذلك ظاهرًا في هذا الحديث من حيث أنه تقديس للعقل، الحديث الذي لم يختلف في صحته أجد هو قوله صلى الله عليه وسلم للأشج، أشج عبد القيس"إن فيك خصلتين يحيهما الله ورسوله الحلم و الأناة" [3]
قال النووي"الحلم"العقل و الأناة التثبت وترك العجلة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه الشاهد على الله عز وجل أن لا نخير عاقلًا إلا وفقه الله عز وجل ثم لا يخير إلا على رفقه حتى يجعل مصيره إلى المحبة. [4]
الفصل الثاني
مباحث تتعلق بالعقل
المبحث الأول: الإيمان بين الوحي والعقل
ابتدأ الوحي بنزول القرآن الكريم على محمد - صلى الله عليه وسلم - وكانت أول كلمة في أول آية (اقرأ) وكانت الآية: اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان
(1) إحياء علوم الدين للغزالي الجزء الأول ص.89
(2) الإحياء / الجزء الأول ص 90 الحديث ابن المحبر و الرمزي (الحكيم في النوادر)
(3) الإحياء / الجزء الثالث ص 174. والحديث في مسلم كتاب الإيمان رقم 25، 26، وأبو داود كتاب الأدب 149، و الترمذي كتاب البر 66، وابن ماجة كتاب الزهد 18، ومسند أحمد 3:23، 4: 206.
(4) مفهوم العقل و القلب في القرآن و السنة محمد أبو زهرة، دار العلم للملايين ص 1085 ط 1980.