الصفحة 26 من 57

الاستدلال بحديث (التبييت) المشهور لإباحة قتل الأبرياء من الكفار غير المحاربين استدلال بالشيء في غير موضعه، فلا يصح من وجهين:

الوجه الأول: أن الذين أجاز النبي تبييتهم - ولو أصيب نساؤهم وأطفالهم - إنما هم الكفار المحاربون الذين يقيمون في ديار الحرب، وليس بينهم وبين المسلمين ميثاقٌ ولا عهد، فيدخل النساء والذراري تبعًا. بخلاف هؤلاء المستهدفين في المجمعات السكنية، فهم معاهدون معصومون.

ولذا جاء في لفظ الحديث (سئل عن أهل الديار من المشركين) . وهؤلاء الأبرياء الذين قتلوا في التفجيرات مقيمون في ديار الإسلام لا في ديار الكفر، ولسنا معهم في حالة حرب، وحتى لو فرض غلط المسلمين بعقد الأمان لهم، فإن الذمة لهم باقية وذمة المسلمين واحدة.

الوجه الثاني: على التسليم بأن هؤلاء حربيون، فإن مسألة التبييت إنما جازت للحاجة، وليست هي الأصل، بل الأصل تحريم قتل نساء الكفار وصبيانهم وشيوخهم حتى في ساعة القتال إذالم يظهر منهم قتال أو إعانة عليه.

ويبقى جواز التبييت مقيدًا بما إذا تعذر تمييز المقاتلة زمن الحرب والقتال، أولم تكن مقدورًا عليها إلا بالتبييت،: إما لقوتهم أو لتحصنهم أو نحو ذلك؛ جمعًا بين النهي عن قتل النساء والأطفال والترخيص بالتبييت.

ولذا لم يقع من الرسول تبييت لليهود وهم مجتمعون في حصونهم وقلاعهم؛ لأن قد قدر عليهم بغير التبييت.

قال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث التبييت: "قوله: (هم منهم) أي في حكم تلك الحالة, وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم, بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتله" أهـ.

وقال الشافعي في الأم 7/ 370: "وتمنع الدار من الغارة إذا كانت دار إسلام أو دار أمان بعقد يعقد عقده المسلمون لا يكون لأحد أن يغير عليها, وله أن يقصد قصد من حل دمه بغير غارة على الدار. فلما كان الأطفال والنساء - وإن نهي عن قتلهم - لا ممنوعي الدماء بإسلامهم ولا إسلام آبائهم، ولا ممنوعي الدماء بأن الدار ممنوعة استدللنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن قصد قتلهم بأعيانهم إذا عرف مكانهم" أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت