الصفحة 18 من 57

على أنَّ المجاهدين أنذروا - وليس واجبًا عليهم الإنذار - مرارًا كثيرةً، وأعلنوا في وسائل الإعلام التي يستطيعونها جميعًا، وبلغ الصليبيين من الأمريكان وإخوانهم الإنذارُ يقينًا، وليس أدلَّ على هذا من اتّخاذ الصليبيِّين الأسوار الحصينة التي لا تجد أمثالها إلاَّ على القواعد العسكريَّة، بل إنَّ كلَّ عمليَّةٍ إنذارٌ لما بعدها.

ومن التلبيس أو سوء البيان الذي استغربته في جواب المجيبين على هذا السُّؤال قولهم: إن من المتقرر لدى علماء الإسلام - وما نظن المخالفين ينازعون في ذلك - أن الكفر ليس موجبًا للقتل بكل حال. اهـ وكلٌّ يعلم أنَّ مخالفيهم - يقينًا لا ظنًّا - لا يزعمون أنَّ كلَّ كافرٍ يُقتل في كل حال، ولكنَّ الكفر موجبٌ للقتل في الأصلِ، ويُستثنى من ذلك مواضعُ، وإطلاق عبارة: الكفر لا يوجب القتل في كل حالٍ، تعميةٌ عن العبارة الصحيحة وهي: الكفر يوجب القتل إلا في أحوالٍ، فيكفي المستدلَّ للقتال إثبات وجود الكفر ليكون موجبًا للقتل والقتال، ما لم يكن أحد الأحوال المستثناة.

وبقي التنبيه إلى قولهم: أنه لا يلزم من جواز القتل ابتداءً جوازه بالفعل في زمن أو مكان معين ا. هـ ويُقال فيه ما قيل في عبارتهم في قتل الكافر، فإنَّ الأصل أنَّ معنى جواز القتل والقتال جواز ابتدائه في كل بلدٍ ومكانٍ حتى يؤتى بالاستثناء، والنقول التي نقلوها منزَّلة غير منازلها، محمولةٌ على غير محاملها؛ فإنَّ الكلام في جهاد الدفع، غير الكلام في جهاد الطلبِ، والكلام في ابتداء الجهاد من المسلمين، غير الكلام في حربٍ فُرضت على المسلمين وأجبروا على دخولها، والكلام على إنشاء حرب لعدوٍّ، غير الكلام على فتح جبهةٍ من جبهات الجهاد معه.

فنقلوا عن الخطيب الشربيني في مغني المحتاج (4/ 226) : "إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا استحب لنا الثبات وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية وجب علينا الفرار لقوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" أو بنكاية فيهم استحب الفرار".

وهذا ظاهرٌ في أنَّهُ لمن غزا الكُفَّار في دارهم يُجاهدهم جهادَ طلبٍ، أمَّا الجهاد الذي يُدفع به عن المسلمين فأحكامه تختلف، فهل يجيز أحدٌ لحاميةِ بلدٍ من المجاهدين أن تنسحب متى وجدت العدوَّ أكثر من ضعفها؟ فيُسلمون إليهم البلاد ومن فيها، دون أن يتحرّفوا لقتال أو يتحيّزوا إلى فئة؟

ألا ترى أنَّه يقول: "ورُجي الظفر"، والظَّفر مطلوب من قاتل طالبًا، وأراد أن يخرج غالبًا، لا من قاتل يُدافع عن الدين والأرض والعرض؛ فإنَّ مطلوبَ هذا السَّلامةُ، وهمَّتَهُ فيها ونظرَه في تحصيلها.

أولا ترى أنَّه يتحدّث عن النكاية لا الحماية، فيوجب الفرار إن لم تكن نكايةٌ، ووجههُ تلف الأنفس والهلكة مع انعدام المقصود من الجهاد، ويستحبُّه إن وجدت نكايةٌ مع ظنِّ الهلاك، لإذن الله بالفرار في هذه الحال، وهي حال زيادة الكفَّار على ضعف المسلمين؟

واستدلُّوا بقول الشوكاني في السيل الجرار (4/ 529) : "إذا علموا - أي المسلمون - بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام وقد استدل على ذلك بقوله عز وجل: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها ... ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب فقد ألقى بيده إلى التهلكة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت