والكلام فيه كالكلام فيما نقلوا عن الخطيب الشربيني أعلاه؛ فإنَّ التنكّب عن قتال المشركين، يكون ممن هو مخيّر بين القتال وتركه، أمَّا من غزاه المشركون في بلده، أو في بلدٍ من بلاد المسلمين لم يمكن دفعهم عنهم على أهلها فتوسَّع الفرض على كل مسلمٍ فصار متعيِّنًا عليه، فلا يشمله هذا الكلام ولا ينالهُ، على أنَّ كلام الشوكاني عليهم لا لهم لو نزّلوه في هذه الحال، فهو يقول: "فعليهم أن يتنكّبوا عن قتالهم، ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام" وهم يريدون من كلامه التنكُّب عن القتال وحده، دون استصراخٍ للمسلمين، واستكثار من المجاهدين، ولو سلّم لهم أنَّ كلام الشوكاني نازلٌ في حالنا كان غاية ما فيه، وجوبُ النَّفير على النَّاس كلِّهم اليوم، وأنَّ من يؤمر بكفِّ يده لا يؤمر بذلك مجرّدًا بل الآمر بهُ يدعو ويحرِّض على القتال، أمَّا أن يأخذوه من كلام الشوكاني ترك القتال، ويعزلوه عن تمامه من التحريض وإعادة الكرة على الكفرة فلا.
وأمَّا الحديث عن المسألة محلِّ النِّزاع، وجواز ابتداء الصليبيِّين بالقتال في بلاد الحرمين، وهل هو من الصُّور الجائزة أم لا، فتقريره على مرتبتين:
المرتبة الأولى: وجود موجب القتال.
فمن أوّل موجبات القتال، قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ، والآيةُ عامَّةٌ في المشركين، كما نصَّت على العموم في البلادِ، وقد ثُقفوا في الجزيرة.
ومما يوجب القتال، ما تقدّم من أنَّ وجودهم في بلاد الإسلام هذه عدوانٌ واحتلالٌ، يجب مقاومتُه، فضلًا عن جرائمهم في حقِّ الإسلام وسيفهم المصلت على المسلمين في كلِّ بلد.
ومنها ما يأتي في الأسئلة القادمة بإذن الله، من أنَّ المعركة واحدةٌ، وتوسيع ميدانها من المصلحة.
المرتبة الثانية: انتفاء مانع القتال.
فتقدَّم الحديث عن العهد مفصَّلًا، ولا مانع غيره إلاَّ أن يكون المفسدة، وسيأتي الحديث عنها في آخر سؤال بإذن الله.