الصفحة 17 من 57

والوجه الثَّاني: أنَّهم فرّقوا بين الأمريكان وحكومتهم في الحكم، وسمّوهم معاهدين مع أنَّ العهد لدولهم، ووجّهوا بأنَّهم قد لا يؤيّدون تصرّفات دولتهم، وهذا خلطٌ حيثُ جعلوهم تابعين لها حين أرادوا إلحاقهم بعهدها، وأخرجوهم عن التبعيَّة لها حين أرادوا التفريق بينهم وبين دولهم في انتقاض العهد نفسه.

الوجه الثَّالث: أنَّهم ظنُّوا وأوهموا أو توهَّموا أنَّ دماء الكفَّار هنا معصومةٌ في الأصل، فأرادوا بنفي تبعيّتهم لدولهم أن يبقوها على العصمة، مع أنَّ دماء الكفَّار مهدورةٌ حتى يعصمها عاصمٌ من عهد أو ذمّة أو أمانٍ، إلا المرأة والصبيَّ والشيخَ الفانيَ ونحوهم، كما ذكروا في الجواب نفسِهِ.

الوجه الرابع: أنّهم علّقوا تحريم قتل هؤلاء بأنَّهم قد يكونون معارضين لسياسة دولهم، ومعنى هذا اشتراط معرفة كونهم موافقين سياسة دولهم في مقاتلة كل قومٍ من الكُفَّار كاليهود في إسرائيل وغيرهم لأنَّ الاحتمال قائمٌ فيهم، بل فيهم يقينًا من هم معارضون لسياسة دولهم، وهذا الشَّرطُ مما يُعلم من السُّنَّة والسيرة اضطرارًا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، ومن بعده من الصحابة والتابعينَ وأهل الإسلام على اختلاف الطوائف لم يكونوا يستبينونه، ولا يستفصلون عنه، مع أنَّ الشَّرط لا يجوز بدء القتال قبل التحقق من وجوده.

الوجه الخامس: أنَّ كلامهم في الذي لا يؤيّد سياسة دولته مضطرب، فمقتضى كلامهم كما تقدَّم أنَّه حربيٌّ معصوم الدم لأنَّه لم يُقاتل ولم يؤيِّد من يُقاتلنا من قومه، وهم يسمّونه معاهدًا، مع أنَّ العهد لا يكون إلا مع دولته التي سمّوها معاهدةً هنا، محاربةً في أفغانستان، وإذا كان لدولته العهد كان لكلِّ رعاياها، ولا معنى لاختصاصه بعدم تأييد سياسة دولته.

الوجه السَّادس: أنَّهم يخلطون بين العهد والأمان، لأنَّ الأمان يمكن أن يكون لبعض أفراد الدولة الحربيَّة، بخلاف العهدِ الذي يكون لعظيم القوم، وينسحب على رعاياه جميعهم.

الوجه السَّابع: أنهم جعلوا عدم تأييد سياسة دولته موجبًا لبقاء العهد، فمقتضاه أن عين سياسة دولته موجبةٌ لانتقاض العهدِ، وهم يصحّحون العهد ويوجبون العمل به.

إلى غير ذلك من التناقضات.

وكلَّ من قلنا فيما تقدَّم: ليس له عهدٌ، فإن دمهُ لا يحلُّ بذلك مجرّدًا، بل يبقى له شبهةُ عهدٍ، وكذا من أعطي أمانًا باطلًا، وعلى من يريد مقاتلتهم إنذارهم، وشبهة العهد تزول بالإنذار وحدهُ، ولا يشترط أن يكون من إمامٍ، بل من يجوز له أن يجاهدهم، يجب عليه قبل جهادهم أن يُنذرهم.

وكلُّ من قلنا يجبُ أن يُنذرُ: فمحلُّ ذلك من توهَّم له عهدًا والتزمَهُ، وأردنا قتاله لعدم صحَّة العهد، أمَّا من له عهدٌ صحيحٌ، أو شُبهةُ عهدٍ، ثمَّ كان النكثُ منهُ؛ فقد قاتل النّبيُّ صلى الله عليه وسلَّم في هذه الصُّورة بلا إنذارٍ بل كان حريصًا في فتح مكّة أن لا يعلموا بقدومه، وذكر ابن القيم في فوائد فتح مكة: "وفي هذه القصَّة جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد والإغارة عليهم، وألا يعلمهم بمسيره إليهم، وأمَّا ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد فلا يجوز ذلك حتّى ينبذ إليهم على سواء"، ومن ليس له عهد صحيح بل غاية ما له شبهة عهدٍ ثم فعل ما ينقض العهدَ أولى بهذا الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت