وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك: (والعملُ إذا اشتملَ على مصلحةٍ ومفسدة فإن الشارع حكيم؛ فإذا غلبت مصلحتُه على مفسدتِه شَرعَه، وإن غلبت مفسدتُه على مصلحتِه لم يشرعه؛ بل نهى عنه، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] ... )
إلى أن قال: (وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضررُه أعظمَ من نفعه، وإلا فلو كان نفعُه أعظم غالبًا على ضرره لم يهمله الشارع؛ فإنه تعالى حكيمٌ لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين) اهـ.
ولذا فإن مجرّد تصوُّر هذا القول بتقديم المصلحة على النص كافٍ في إبطاله، إذ يفتحُ بابَ المروقِ من الدين والانسلاخ من أحكام الشرع على مصراعيه، هذا فضلًا عن فتح باب الإحداث والابتداع والتحكم بالشرع بنحاسة الآراء وزبالة الأفكار والأهواء؛ إذ لا يعجزُ كلُّ مبطلٍ عن القول بأنه ينشد المصلحة من باطله الذي جاء به وأحدثه، وقدمه على النص، وقد قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة:11 - 12] .
وهنا لا بدّ من التنبيهِ على أمرٍ هو غاية في الأهمية -وهو أنّ الموازنةَ عند إنزال الأحكام الشرعية على أرضِ الواقع مما جاء به الشرع وحث عليه وندب إليه، وهذا من الفقه الواجب حال تعاطي الأحكام الشرعية والتعامل معها، إلا أنّ أهل الطائفة المنصورة عندما يتقيدون بقاعدة الموازنة هذه فإنهم يجعلون الشرع هو المرجِعُ في تقدير المصالحِ والمفاسد، فالمصلحةُ عندهم هي ما ثبت كونُه مصلحةً في شرع الله ودينه، والمفسدةُ هي ما ثبتَ كونه مفسدة في شرع الله ودينه لا غير.